تحذيرات من موجات نزوح جديدة .. الهجرة الدولية: 5.1 مليون سوداني عادوا إلى مناطقهم
بعد أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع الحرب، بدأ مشهد النزوح في السودان يأخذ اتجاهاً جديداً؛ فملايين السودانيين الذين فروا من مناطقهم خلال القتال شرعوا في العودة إلى ديارهم، لكن المنظمة الدولية للهجرة تحذر من أن العودة لا تعني بالضرورة نهاية الأزمة.
الخرطوم ــ التغيير
وأعلنت المنظمة، الاثنين، أن أكثر من 5.1 مليون سوداني عادوا إلى مناطقهم الأصلية، في وقت لا يزال فيه نحو 8.6 مليون شخص نازحين داخل البلاد، ما يكشف عن حجم التحول الذي تشهده خريطة النزوح، من دون أن يعني ذلك أن ظروف العودة أصبحت مستقرة أو مستدامة.
وبحسب أحدث بيانات مصفوفة تتبع النزوح التابعة للمنظمة، بلغ عدد العائدين 5,145,165 شخصاً، توزعوا على 77 محلية في تسع ولايات، بينما يقيم النازحون داخلياً في 185 محلية موزعة على الولايات الـ18.
العودة بعد انحسار القتال
ارتبطت الزيادة الكبيرة في أعداد العائدين بتحسن الوضع الأمني في عدد من المناطق التي شهدت معارك واسعة، ولا سيما بعد استعادة الجيش السيطرة على الخرطوم والجزيرة وسنار وأجزاء من شمال كردفان.
لكن العودة إلى المناطق الأقل تعرضاً للقتال لا تعني أن آثار الحرب اختفت. فالكثير من العائدين يجدون أنفسهم أمام واقع مختلف عن الذي تركوه؛ منازل متضررة أو مدمرة، مدارس لا تعمل، ومراكز صحية تفتقر إلى القدرة على تقديم الخدمات، فضلاً عن تراجع النشاط الاقتصادي وفرص العمل.
وترى المنظمة الدولية للهجرة أن هذه الظروف تجعل المكاسب التي تحققت في ملف العودة هشة وقابلة للانتكاس، ما لم تترافق العودة مع إعادة تأهيل الخدمات والبنية التحتية ودعم مصادر الدخل.
من النزوح إلى العودة.. ومن العودة إلى ماذا؟
وتكشف بيانات المنظمة أن غالبية العائدين كانوا نازحين داخل السودان قبل عودتهم، إذ يمثلون نحو 82% من إجمالي العائدين، بينما جاء نحو 18% من خارج البلاد.
وبذلك لا تعكس أرقام العودة عودة اللاجئين السودانيين في الخارج وحدهم، وإنما تشمل بدرجة أكبر ملايين الأسر التي تنقلت بين مناطق السودان المختلفة خلال الحرب، قبل أن تجد طريقها إلى مناطقها الأصلية.
أما العائدون من الخارج، فتأتي مصر في مقدمة البلدان التي عاد منها السودانيون، تليها جنوب السودان وليبيا ودول الخليج، وفق بيانات المنظمة.
وتزامنت هذه الحركة مع مبادرات لتنظيم عودة طوعية للسودانيين من بعض دول الجوار، بما في ذلك رحلات مجانية، خصوصاً من مصر وأوغندا.
مدن تستقبل العائدين بخدمات منهكة
وتكمن المشكلة الأكبر في أن المناطق التي تستقبل العائدين لا تملك بالضرورة القدرة على استيعابهم.
فالخدمات العامة والبنية التحتية المحلية تعرضت خلال الحرب لأضرار واسعة، فيما تعاني الاقتصادات المحلية من ضعف النشاط وارتفاع الأسعار وتراجع قيمة العملة وانكماش فرص العمل.
وفي المناطق التي شهدت أعلى معدلات العودة، تتعرض المدارس والمرافق الصحية وشبكات المياه والخدمات الأخرى لضغط إضافي، بينما يحتاج العائدون أنفسهم إلى مساكن ملائمة ومصادر دخل وخدمات حماية ورعاية صحية وتعليم.
ولهذا تؤكد المنظمة أن توفير الخدمات الأساسية وإعادة تأهيل البنية التحتية ودعم سبل كسب العيش، إلى جانب مساندة المجتمعات المضيفة، تمثل شروطاً أساسية لتحويل العودة إلى استقرار فعلي.
الأطفال في قلب أزمة العودة
وتكتسب القضية بعداً أكثر حساسية مع ارتفاع نسبة الأطفال بين السكان المتأثرين بالنزوح والعودة.
وتشير بيانات المنظمة إلى أن نحو نصف العائدين والنازحين تقل أعمارهم عن 18 عاماً. ويعني ذلك أن ملايين الأطفال والشباب يواجهون آثار الحرب بصورة مباشرة، من انقطاع التعليم إلى صعوبة الحصول على الرعاية الصحية وخدمات الحماية.
وتحذر المنظمة من أن معالجة احتياجات هذه الفئة ستكون عاملاً أساسياً في قدرة السودان على التعافي والاستقرار على المدى الطويل، خصوصاً في ظل استمرار الحرب في بعض المناطق.
8.6 مليون نازح.. رغم موجة العودة
ورغم تسجيل أكثر من خمسة ملايين عائد، لا يزال السودان يواجه واحدة من أكبر أزمات النزوح في العالم.
وتظهر بيانات المنظمة وجود نحو 8,583,274 نازحاً داخلياً في 185 محلية بجميع ولايات السودان، ما يعني أن العودة الواسعة لم تُنهِ أزمة النزوح، وإنما أعادت توزيع جزء منها وقلّصت حجمها مقارنة بمراحل سابقة من الحرب.
كما لا تزال مناطق في النيل الأزرق وشمال كردفان تشهد قتالاً ونزوحاً، فيما دفعت ظروف الجفاف وانعدام الأمن في أجزاء من شمال دارفور أسرًا إلى مغادرة مناطقها واللجوء إلى مواقع نزوح أخرى أو إلى دول الجوار.
وهكذا يتعايش مساران متناقضان في السودان: أسر تعود إلى مناطقها الأصلية، وأخرى لا تزال تفر من القتال وانعدام الأمن.
العودة تحتاج إلى ما هو أبعد من الطريق إلى المنزل
وترى المنظمة الدولية للهجرة أن عودة أكثر من خمسة ملايين شخص تمثل مؤشراً على رغبة السودانيين في استعادة حياتهم ومجتمعاتهم، لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن الوصول إلى المنزل ليس سوى الخطوة الأولى.
فإذا لم تتوافر الخدمات الأساسية والسكن وفرص كسب العيش والأمن، فإن العودة قد تتحول إلى محطة مؤقتة في رحلة النزوح، بدلاً من أن تكون بداية للتعافي.
وتدعو المنظمة الحكومات والمانحين وشركاء التنمية والمؤسسات المالية الدولية والمنظمات الإنسانية إلى زيادة الدعم الموجه إلى مناطق العودة والمجتمعات المضيفة، محذرة من أن نقص التمويل قد يهدد قدرة المنظمات الإنسانية على مواكبة الاحتياجات المتزايدة.
اختبار ما بعد الحرب
وتضع موجة العودة المجتمع الدولي والحكومة السودانية أمام اختبار جديد: فبعد أن كان التركيز خلال السنوات الماضية منصباً بصورة أساسية على إجلاء النازحين وتوفير الغذاء والمأوى والحماية، تتطلب المرحلة الجديدة الاستثمار في إعادة بناء الحياة نفسها.
فالعودة المستدامة لا تقاس بعدد الذين غادروا مخيمات النزوح أو عبروا الحدود عائدين إلى السودان، وإنما بقدرتهم على البقاء في مناطقهم من دون أن تضطرهم الظروف الاقتصادية أو غياب الخدمات أو تجدد العنف إلى الرحيل مرة أخرى.
وفي بلد ما زال يضم أكثر من 8.5 مليون نازح داخلياً، فإن السؤال لم يعد فقط: كم سودانياً عاد إلى منزله؟ بل: هل يستطيع هؤلاء البقاء فيه؟
altaghyeer.info