خبر ⁄سياسي

من غزة إلى الجوار.. فتاوى الحاخامات بإهدار الدم والاستيطان

نشر:آخر تحديث:
من غزة إلى الجوار.. فتاوى الحاخامات بإهدار الدم والاستيطان

أنتجت الحرب الإسرائيلية على غزة بعد هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 خطابا دينيا تجاوز -في نماذج موثقة- تبرير العمليات العسكرية إلى نزع صفة المدنيين عن سكان القطاع الفلسطيني، والدعوة إلى قتل النساء والأطفال ووقف الغذاء والدواء، ثم ربط الاحتلال والاستيطان في غزة ولبنان وسوريا بـ"فرائض" دينية.

ويكشف تتبع هذه الفتاوى والمواعظ شبكة تمتد من حاخامات التيار الحردلي -القومي الديني المتشدد داخل الصهيونية الدينية- إلى مدارس دينية عسكرية وشخصيات مرتبطة سياسيا بحزبي "الصهيونية الدينية" بزعامة بتسلئيل سموتريتش و"عوتسما يهوديت" بزعامة إيتمار بن غفير.

قصص مقترحة

list of 2 items
  • list 1 of 2a
  • list 2 of 2a
end of list

قتل الجميع

يقدم الحاخام إلياهو مالي، رئيس المدرسة الدينية العسكرية "يشيفات شيرات موشيه" في يافا، المثال الأكثر مباشرة على تحويل الحرب إلى حكم ديني. ففي مؤتمر لمدارس "هسدير" في مارس/آذار 2024 وصف حرب غزة بأنها "حرب فريضة"، واستند إلى مبدأ "لا تُبقِ نسمة حية"، وحين سئل صراحة: هل يشمل ذلك المسنين والأطفال؟ أجاب بأن الحكم "نفسه".

ونقلت الصحفية نينا فوكس في يديعوت أحرونوت في 8 مارس/آذار 2024 أن مالي ربط موقفه بفكرة أن أطفال جولات القتال السابقة يصبحون مقاتلي الجولة التالية. وتكتسب أقواله دلالة إضافية لأن مدارس "هسدير" تجمع الدراسة الدينية بالخدمة العسكرية، وينتقل طلابها لاحقا إلى وحدات الجيش.

الحاخام إلياهو مالي دعا إلى "قتل جميع سكان غزة بمن فيهم النساء والأطفال"، معتبرا ذلك استجابة لتعاليم "الشريعة اليهودية" (مواقع التواصل)

ولم يكن خطاب مالي حالة منفردة. فبعد 5 أيام من هجوم السابع من أكتوبر، وقّع عشرات الحاخامات من الصهيونية الدينية رسالة، دعت الحكومة إلى عدم جعل الاعتبارات المتعلقة بالسكان المدنيين للعدو قيدا على القتال. وكان بين الموقعين الحاخام دوف ليئور والحاخام شموئيل إلياهو والحاخام إلياهو رحاميم زيني.

إعلان

ولا يعني ذلك أن هذه المواقف تمثل المؤسسة الحاخامية الإسرائيلية كلها أو جميع تيارات الصهيونية الدينية، لكنها صدرت عن شخصيات ذات صلة بالاستيطان والمدارس الدينية والعسكرية، وهو ما يمنحها تأثيرا يتجاوز الموعظة الفردية.

نساء وأطفال

في 14 ديسمبر/كانون الأول 2023، نشرت الصحفية ليئور شاليف في القناة 12 تحقيقا عن حاخامات استخدموا مفهوم "عماليق" في الحديث عن سكان غزة، وربطوا الحرب بفكرة الإبادة الواردة في الروايات التوراتية.

ومن بينهم الحاخام موشيه رات، الحاصل على الدكتوراه في الفلسفة وصاحب مؤلفات دينية، الذي كتب أن أحداث السابع من أكتوبر جعلت فكرة "محو عماليق" أكثر قابلية للفهم، وتحدث عن أن الرحمة بالأطفال والرضع يمكن أن تعوق الحرب. وعندما سئل عمن يقصد بعماليق في الواقع الراهن، قال إنه يتحدث عن سكان غزة.

وعرض التحقيق نفسه درسا للحاخام عوفاديا يوسف (الحفيد)، رئيس كوليل "تفئيرت أوهيل موشيه" في بيت شيمش ورئيس معهد تراث يعقوب حاي يوسف، وهو ابن الحاخام يعقوب يوسف وحفيد الحاخام الراحل عوفاديا يوسف، والأب الروحي لحزب شاس الحريدي. وتحدث يوسف عن الفلسطينيين بوصفهم "عماليق"، وعن دخول غزة و"قتل النساء والأطفال". كما وثق التحقيق أقوال الحاخام أبراهام هليفي، الذي تحدث عن الانتقام و"محو عماليق".

بلا مدنيين

يظهر الخطاب نفسه لدى الحاخام شموئيل إلياهو، الحاخام الأكبر لمدينة صفد وأحد أبرز حاخامات التيار الحردلي. وينقل المؤرخ والباحث الإسرائيلي درور غرينبلوم، في دراسة نشرتها مجلة "كريؤوت يسرائيل" في يناير/كانون الثاني 2025 عن استجابة الصهيونية الدينية الحردلية للحرب، قول إلياهو في درس ديني في نوفمبر/تشرين الثاني 2023 إنه "لا يوجد لديهم أبرياء".

ويضع غرينبلوم هذه الأقوال ضمن تصور أوسع لدى قطاعات من التيار الحردلي يرى الحرب جزءا من صراع ديني وتاريخي بين الخير والشر، ويربطها بالرؤية القومية-المسيانية (الخلاصية أو المسيحانية) وبمركزية "أرض إسرائيل" في المشروع الديني والسياسي.

وفي مايو/أيار 2025، انتقل شموئيل إلياهو من النقاش بشأن مشروعية استهداف السكان إلى الدعوة لوقف كامل للمساعدات عن غزة، بما يشمل الغذاء والوقود والدواء والكهرباء، معتبرا أن حرمان القطاع منها وسيلة للضغط على حماس من أجل إطلاق الأسرى.

منبر ووزارة

تتقاطع المرجعية الحاخامية مع السياسة بوضوح لدى الحاخام عميحاي إلياهو، وزير التراث والقيادي في حزب عوتسما يهوديت وابن شموئيل إلياهو.

ففي 5 نوفمبر/تشرين الثاني 2023، سئل في إذاعة "كول براما" عن إسقاط قنبلة نووية على غزة، فقال إنها "إحدى الطرق"، وتحدث عن عدم وجود معنى لفكرة "غير المشاركين" في الحرب، قبل أن يعود ويقول إن حديثه عن السلاح النووي كان مجازيا.

لكن إلياهو ربط -في المقابلة نفسها- نتيجة الحرب بالأرض أيضا، فتحدث عن العودة إلى مستوطنات "غوش قطيف" (التي تم الانسحاب منها في عام 2005 من غزة) وأخذ "ثمن إقليمي" من غزة، بما يعكس انتقال الخطاب من إباحة القوة ضد السكان إلى تصور يتضمن إعادة الاستيطان اليهودي في القطاع.

إعلان

احتلال كفريضة

تظهر الصلة بين الدين والاحتلال بصورة أوضح في فتاوى الحاخام دوف ليئور، الحاخام السابق لمستوطنة كريات أربع وأحد أبرز مراجع الصهيونية الدينية.

ففي الأول من يونيو/حزيران 2026، استقبل ليئور ناشطي حركة "رواد الباشان" التي تسعى لإقامة استيطان داخل الأراضي السورية، وأعلن أن دخولهم والاستيطان هناك يحقق "فريضة استيطان أرض إسرائيل"، وقال إن نشاطهم يسهم في تقريب "الخلاص".

حاخامات أفتوا بقتل الفلسطينيين (الجزيرة)

ولا يمثل ذلك موقفا منفصلا عن رؤيته الفقهية القديمة. ففي دروس منشورة له عن "استيطان أرض إسرائيل واحتلالها"، شرح ليئور أن الفريضة تتضمن الإقامة في الأرض والسيادة عليها، وأن أحد مكوناتها هو "الاحتلال" بالحرب بوصفه تكليفا جماعيا عندما تتوافر القدرة.

وهكذا لا ينظر هذا الخطاب إلى السيطرة العسكرية باعتبارها ترتيبا أمنيا مؤقتا فقط، وإنما يربطها بإمكانية تثبيت وجود يهودي دائم على الأرض.

استيطان لبنان

وفي الاتجاه نفسه، دعا الحاخام يتسحاق غينزبورغ، رئيس مدرسة "عود يوسف حاي" الدينية في مستوطنة يتسهار بالضفة الغربية، في 25 سبتمبر/أيلول 2024 إلى اعتبار الحرب في الشمال "حرب فريضة".

وطالب غينزبورغ بضرب العدو بكل القوة، وقال إنه لا ينبغي تأخير العمل العسكري بسبب وجود سكان مدنيين يوفرون -بحسب تعبيره- غطاء للمقاتلين، ثم انتقل خطوة أبعد بالدعوة إلى احتلال مناطق من لبنان وإقامة استيطان يهودي فيها، مقدما ذلك باعتباره استكمالا للنصر.

يرى التيار الحردلي الحرب صراعا دينيا مسيانيا إستراتيجيا (الفرنسية)

وخلال عام 2026، أخذت هذه الأفكار بعدا ميدانيا. فقد كشف غاي أسيف -في تحقيق نشرته يديعوت أحرونوت في 24 يوليو/تموز- أن مجموعات مثل "رواد الباشان" و"استيقظي يا شمال" تسعى لإقامة وجود استيطاني في سوريا وجنوب لبنان، وتحظى بدعم حاخامات من بينهم ليئور وغينزبورغ وإلياهو زيني (عم رئيس الشاباك الحالي ديفيد زيني) ويسرائيل أريئيل. وأشار التحقيق إلى أن الجيش يرى في محاولات عبور الحدود خطرا على الجنود والمدنيين.

حاضنة دينية

ولا تكشف استطلاعات الرأي عن إجماع إسرائيلي على هذه المواقف، لكنها تُظهر حاضنة أقوى لها بين القطاعات الدينية واليمينية.

ففي استطلاع للمعهد الإسرائيلي للديمقراطية أُجري في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، أيد 68% من اليهود المتدينين إعادة الاستيطان في غزة، مقابل 21% من العلمانيين، وأيد 72% من المتدينين إقامة حكم عسكري إسرائيلي في القطاع. وفي المقابل، عارض 58.5% من مجموع الإسرائيليين إعادة الاستيطان في غزة.

iframe

تكشف الصورة أن السابع من أكتوبر لم ينشئ هذه التصورات من الصفر، لكنه وفر لها مجالا أوسع للانتقال من الكتب والمدارس الدينية والمنابر الحاخامية إلى الحرب والسياسة والحركات الاستيطانية.

وتبرز دلالة المسار في اجتماع ثلاثة مستويات: خطاب ديني ينزع الحماية عن المدنيين، وتأصيل فقهي يمنح الاحتلال والاستيطان معنى دينيا، وشبكات سياسية واستيطانية تحاول ترجمة هذه الأفكار إلى وجود دائم على الأرض.

aljazeera.net