حين يقف الجميع أمام المرآة: المثقف والبندقية وأخلاق الحوار في زمن الحرب ٣
حين يقف الجميع أمام المرآة: المثقف والبندقية وأخلاق الحوار في زمن الحرب (٣)
د. ناهد محمد الحسن
خالد كودي ؛ عدالة المشروع ومعضلة التأسيس
لا أكتب إلى خالد كودي من الضفة المقابلة، ولا أضع أمامه جرائم الدعم السريع لأحاصره في موقع المدافع عن نفسه وعن اختياره السياسي. أكتب إليه لأنني أراه واقفاً معي، وإن اختلفت مواقعنا، داخل المعضلة الوطنية والأخلاقية نفسها: كيف نحرر الدولة السودانية من تاريخها الطويل في الإقصاء والعنف، من دون أن نمنح القوة التي نستعين بها على تفكيك الدولة القديمة حق تشكيل الدولة الجديدة على صورتها؟
وأعرف أن خالد لا يدافع عن الجريمة، ولا ينكر أن قوات الدعم السريع ارتكبت انتهاكات جسيمة. قرأت إقراره بالقتل والاغتصاب والتعذيب والحرق والهجمات الإثنية على المساليت، وقرأت مطالبته بالتحقيق والمحاسبة وعدم منح أي قوة حصانةً من العدالة. ولذلك لن أسأله: لماذا صمتَّ؟ فهو لم يصمت. ولن أحمّله مسؤولية جرائم لم يرتكبها لمجرد أنه انضم إلى مشروع يضم القوة المتهمة بارتكابها.
أريد لهذا الحوار أن يساعدنا على رؤية شيء أصعب من البراءة أو الإدانة الشخصية؛ عن الذي تكشفه الجرائم المتكررة عن بنية القوة التي يُراد لها أن تسهم في تأسيس الدولة الجديدة. وكيف يستطيع المثقفون والمدنيون داخل «تأسيس» أن يحولوا إقرارهم بالعدالة من موقف أخلاقي إلى قدرة مؤسسية تقيد السلاح وتحمي المواطنين؟
حين تصبح الحرب بيئةً للعنف
تعلمنا خبرة الحروب العالمية والأهلية أن الحرب لا تستدعي العنف فحسب، فهي تعيد تشكيل البيئة الأخلاقية التي يقع داخلها، حيث يضعف القانون، وتتفتت القيادة، ويتسع التجنيد السريع، ويتداخل الهدف العسكري بالثأر والهوية والأرض والموارد. ويعمل الخوف والإرهاق وفقد الرفاق وضغط الجماعة على إضعاف الحكم الأخلاقي، بينما يحول خطاب الكراهية المدني من إنسان تستوجب حمايته إلى مشكوك في امره «حاضنة للعدو».
وتزداد الخطورة في الحرب الأهلية لأن المقاتل لا يواجه جيشاً منفصلاً في الخلاء بوضوح عن المجتمع. إنه يتحرك وسط سكان تتنازع القوى تفسير ولاءاتهم، وقد تختلط في نظره القرية بالموقع العسكري، والجماعة الإثنية بالخصم، والممتلكات المدنية بموارد الحرب.
لهذا لا ينبغي أن نفاجأ بوقوع انتهاكات في حرب انهارت فيها مؤسسات الدولة وتعددت مراكز القيادة والسلاح. فقد شهدت كل الحروب الكبرى تقريباً جرائم ارتكبها أفراد ووحدات، حتى داخل جيوش شديدة التنظيم والتدريب. لكن هذا الفهم لا يجعل الجريمة طبيعيةً أو حتمية، ولا يحول ظروف الحرب إلى عذر.
فالحروب المتشابهة لا تنتج دائماً الدرجة نفسها من الاعتداء على المدنيين. بعض القوات تستطيع ضبط أفرادها أكثر من غيرها، وبعض القيادات تحقق وتعاقب وتغير أوامرها، بينما تتسامح أخرى مع الجريمة أو تستفيد من نتائجها. ومن هنا تعلمنا الخبرة العالمية أن الحرب ترفع احتمال الانتهاك، لكن المؤسسة هي التي تحدد، إلى حد بعيد، هل يبقى استثناءً تجري محاصرته أم يتحول إلى نمط يعيد إنتاج نفسه.
وبهذا المعنى، لا ينبغي أن نستخدم كلمة «تفلتات» قبل أن نعرف ما الذي نصفه بها. فقد تكون هناك جريمة فردية خالفت أوامر واضحة وعاقبتها القيادة؛ وقد يكون هناك عنف متكرر نتج عن ضعف التدريب والقيادة والعقاب؛ وقد تكون الجريمة جزءاً من طريقة لإخلاء الأرض أو إرهاب جماعة أو معاقبة مجتمع يُظن فيه أنه يؤيد الخصم.
والفارق لا تكشفه بيانات القيادة وحدها، ولكن تكشفه أفعالها: هل أوقفت الجناة؟ هل وصل التحقيق إلى أصحاب الرتب أم انتهى عند صغار المنفذين؟ هل أتاحت الوصول إلى الشهود والأدلة؟ والأهم: هل تغير السلوك بعد الإعلان عن التحقيق؟
الوقائع التي لم تعد مجرد اتهامات
لم تعد الانتهاكات المنسوبة إلى الدعم السريع في غرب السودان مجرد مادة دعائية يتبادلها طرفا الحرب. فقد تقاطعت تقارير بعثة الأمم المتحدة المستقلة لتقصي الحقائق، ومكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، وهيومن رايتس ووتش، ومنظمة العفو الدولية، وأطباء بلا حدود، في توثيق أنماط واسعة من القتل والتهجير القسري والعنف الجنسي والنهب والتعذيب والاحتجاز والهجوم على المدنيين، ارتكبتها قوات الدعم السريع وقوات متحالفة معها.
في الجنينة وأردمتا كان الاستهداف الإثني للمساليت وغيرهم من الجماعات غير العربية عنصراً مركزياً في الوقائع الموثقة. وفي زمزم والفاشر ظهرت أنماط الحصار والتجويع والهجوم على مخيمات النازحين والمرافق الصحية، والقتل والاختطاف والعنف الجنسي أثناء الهجوم والفرار.
وذهبت بعثة تقصي الحقائق، في تقريرها الصادر في فبراير 2026، إلى أن ما وقع في الفاشر يحمل سمات الإبادة الجماعية، وأن هناك أسباباً معقولة للاعتقاد بوقوع أفعال من الأفعال المكوِّنة لها، مع مؤشرات على القصد الإبادي ضد جماعات غير عربية. كما قال مكتب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية إن الأنماط التي ظهرت في الجنينة عام 2023 تكررت في الفاشر عام 2025. وتساند هذه النتائج تحقيقات مستقلة أخرى اعتمدت على شهادات الناجين والمواد الطبية والصور ومقاطع الفيديو والأدلة المفتوحة المصدر وصور الأقمار الصناعية.
والدقة هنا واجبة. هذه النتائج ليست أحكاماً جنائية نهائية على كل فرد أو قائد؛ فالمسؤولية الجنائية الفردية لا تثبت إلا أمام محكمة مختصة، بعد تحقيق ومحاكمة عادلة. لكنها أثقل كثيراً من أن تُختزل في كلمة «مزاعم»، أو أن تُفسر كلها باعتبارها مخالفات متفرقة ارتكبها أفراد غير منضبطين.
ولا يثبت تكرار الجريمة وحده وجود أمر مركزي مكتوب. لكنه، كلما اتسع جغرافياً واستمر زمنياً وتشابهت وسائله وضحاياه، يجعل سؤال المؤسسة والقيادة ضرورياً: من خطط؟ ومن أصدر الأوامر؟ ومن علم أو كان ينبغي أن يعلم؟ ومن امتلك سلطة المنع والعقاب ولم يستخدمها؟
هذه ليست إدانة جماعية لكل فرد في القوة، وإنما رفض لاستخدام الأفراد الصغار جداراً يحمي المؤسسة من الفحص.
ماذا تقول الجرائم عن الوعد التحرري؟
يقول خالد، في جوهر حجته، إن جرائم الدعم السريع لا تبطل عدالة مشروع السودان الجديد. وهو مصيب في ذلك.
فالقتل الذي ترتكبه قوة ترفع شعار المواطنة لا يجعل المواطنة فكرة باطلة. والانتهاكات التي ترتكبها قوة منضوية في تحالف يدعو إلى العلمانية والفيدرالية لا تحول العلمانية والفيدرالية إلى مشروعين فاسدين. ينبغي أن نحمي المبادئ من السقوط بجرائم الذين يرفعونها.
لكن علينا أيضاً أن نحميها من أن تصبح لغةً تمنح القوة المسلحة شرعية لا تسندها ممارستها.
ولهذا ينبغي التفريق بين عدالة فكرة إعادة تأسيس الدولة، وصدق المثقفين المؤمنين بها، وأهلية التحالف والقوة المسلحة اللذين يزعمان القدرة على تحقيقها. فقد تكون الفكرة عادلة، ويكون المثقف صادقاً، بينما يظل حامل المشروع عاجزاً عن تجسيده أو مناقضاً له في بنيته.
والقدرة على هزيمة الدولة القديمة ليست، في ذاتها، دليلاً على القدرة على بناء دولة جديدة. فالقوة التي تكسر احتكار خصمها للعنف قد تعيد إنتاج الاحتكار لمصلحتها. والبندقية التي تفتح باباً أغلقه المركز قد تصبح حارسة الباب الجديد، إذا لم تقيدها مؤسسة مدنية أقوى من حاجتها إليها.
تزداد هذه المعضلة إيلاماً حين تمارس القوة العنف في المجتمعات التي تقول إنها تحمل مظلوميتها التاريخية. فإذا لم يكن خطاب الهامش قادراً على حماية سكان الهامش أنفسهم من القتل والتهجير والإذلال، فكيف يمكن أن نطلب من بقية السودانيين الاطمئنان إلى القوة التي تتحدث باسمه؟
ولا أقصد بذلك تحميل مجتمعات الهامش جرائم الدعم السريع، أو التعامل مع القوة باعتبارها ممثلاً طبيعياً لها. فالهامش ليس كتلةً واحدة، والدعم السريع ليس «أهله»، وكثير من ضحاياه هم من أكثر السودانيين تهميشاً. بل إن هذه الحقيقة نفسها هي موضع السؤال: كيف تستطيع قوة أن تستمد شرعيتها من مظلومية مجتمعات، ثم تعيد إنتاج العنف داخلها؟
أما خوف سكان الوسط والشمال والمدن من سيطرة الدعم السريع، فلا ينبغي إهماله كله بوصفه عنصريةً أو دفاعاً عن امتيازات المركز. قد تختلط به بالفعل صور نمطية وتحريض إثني وحنين إلى الدولة القديمة؛ لكن جزءاً منه خوف صنعته الوقائع: ما الذي يمكن أن تفعله قوة في المجتمعات التي تعتبرها خصماً إذا كانت لم تستطع، أو لم ترد، حماية مجتمعات تزعم أنها تقاتل من أجل إنصافها؟
لا نعالج هذا الخوف بالسخرية منه، ولا بترديد وثيقة المشروع. نعالجه بإظهار أن القوة تستطيع ضبط نفسها، وأن المدنيين قادرون على مساءلتها، وأن الضحية تستطيع الوصول إلى عدالة لا تسيطر عليها البندقية.
لا عدالة بالمعاوضة
أعرف أن إثارة هذه الوقائع تستدعي فوراً سؤالاً مشروعاً: ماذا عن جرائم الجيش السوداني والطيران والحركة الإسلامية والقوات والحركات المتحالفة معها؟ وماذا عن التاريخ الطويل للعنف في الجنوب ودارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق؟ ولماذا يسلط بعض الناس الضوء على جرائم الدعم السريع، بينما يعيدون إلى المؤسسة العسكرية القديمة صفة الشرعية والقومية كأن تاريخها بدأ صباح الخامس عشر من أبريل؟
لا أريد لهذه الكتابة أن تكون جسراً تعبر عليه الدولة القديمة نحو براءة لا تستحقها. فقد وثقت الجهات الدولية نفسها قصفاً للمدنيين وانتهاكات جسيمة ارتكبتها القوات المسلحة وحلفاؤها وقوى أخرى. والجيش السوداني في تكوينه الراهن يحتاج إلى إعادة بناء عميقة تخرجه من السياسة والاقتصاد والأيديولوجيا، وتضعه تحت سلطة مدنية دستورية.
لكن الضحايا ليسوا شهود دفاع عن قتلة ضحايا آخرين.
لا تجيب جريمة الجيش عن جريمة الدعم السريع، ولا تجيب جريمة الدعم السريع عن جريمة الجيش. والقول إن الجميع ارتكبوا جرائم يصبح خطراً عندما يستخدم لإذابة المسؤولية، بدلاً من توسيعها لتشمل الجميع.
وحدة المعيار لا تعني التماثل بين كل القوى والوقائع، وإنما أن نخضع تقارير جرائم الحليف للجدية نفسها التي نستقبل بها تقارير جرائم الخصم، وألا نحاكم قوة بما فعلته فعلياً ثم نحاكم الأخرى بالمستقبل الذي تعد به.
من إدانة الجريمة إلى تغيير المؤسسة
لا تكمن المسألة، إذن، في مطالبة خالد بتكرار إدانة سبق أن أعلنها، ولكن بإدخال الجرائم التي يعترف بها ضمن تقييمه لطبيعة القوة نفسها. فهذه الوقائع ليست ملفاً عن الماضي تحيله الدولة المقبلة إلى القضاء وحسب؛ إنها معلومة عن الحاضر: عن التجنيد والانضباط والعقيدة العسكرية والاقتصاد السياسي والعلاقة بالمجتمعات وسلسلة القيادة.
ولا يعني ذلك أن التاريخ يحكم على القوة بالعجز الأبدي عن التغيير. فقد تعلمت الخبرة العالمية أن القوات والجماعات المسلحة تستطيع تقليل الانتهاكات حين تنتقل حماية المدنيين من لغة البيانات إلى صلب تكوينها: أوامر العمليات، وتدريب المقاتلين، وتسجيلهم وربطهم بسلسلة قيادة معروفة، وضبط الحلفاء الذين يقاتلون باسمها، وحماية الشهود، وتوثيق المحتجزين والمفقودين، والتحقيق المستقل، وعقوبات تصل إلى القادة ولا تتوقف عند صغار المنفذين.
كما أن القانون وحده لا يكفي. فالمقاتل يتأثر بقائده ورفاقه ومجتمعه واللغة التي تشرح له معنى الشرف والانتصار. فإذا مجدت الثقافة الداخلية الإذلال والغنيمة والثأر، فلن تصلحها محاضرة عن القانون الدولي. أما إذا أصبح احترام المدني جزءاً من هوية القوة، وعرف المقاتل أن جماعته ستتبرأ من الجريمة لا أن تحتفي بها أو تتستر عليها، فإن ضبط النفس يتحول من أمر خارجي إلى قيمة داخلية.
وهنا يستطيع المثقف أن يؤدي دوراً لا يقل أهميةً عن كتابة الوثيقة السياسية. يستطيع أن يساعد المؤسسة على تغيير لغتها عن الخصوم والضحايا، وعلى وصل القانون بقيم المجتمعات التي تحرّم الغدر وقتل الضعفاء والاعتداء على النساء والأطفال، وعلى بناء ذاكرة تكرّم من امتنع عن الجريمة لا من بالغ في الانتقام.
هذه ليست «أنسنةً» تجميلية للحرب، ولا اعتقاداً ساذجاً بإمكان حرب نظيفة. إنها محاولة عملية لتقليل ما تستطيع الحرب أن تفعله بالإنسان، ومنع العنف الضروري في تقدير أصحابه من التحول إلى إذن مفتوح بالوحشية.
امتحان الحامل
ليس من الواقعي أن نطالب المدنيين داخل «تأسيس»، والحرب دائرة وموازين القوة مختلة، بأن يحولوا الدعم السريع فوراً إلى مؤسسة عسكرية مكتملة الانضباط، أو أن ينجزوا عدالةً تعجز عنها دول مستقرة. وليس عادلاً أن نسأل خالد أو النور لماذا لم يمنعا جرائم قوة لا يملكان قيادتها المباشرة.
لكن الواقعية لا تعني تعليق المعيار إلى ما بعد الحرب. فالخطوات الأولى الممكنة الآن هي التي تخبرنا بالاتجاه: هل يجري تحديد المقاتلين وسلاسل الأوامر؟ هل تُحفظ الأدلة وتُكشف أسماء المحتجزين والمفقودين؟ هل يوقف المشتبه فيهم عن العمليات؟ هل يُسمح بمراقبة مستقلة لا تملك القوة تحديد نتائجها؟ وهل تصبح أهلية الاندماج في جيش المستقبل مشروطةً بسجل الفرد والوحدة والقيادة؟
لن تكون هذه عدالة مكتملة، لكنها تميز بين قوة تريد التحول إلى مؤسسة عامة وقوة تطلب منا انتظار انتصارها ثم الثقة بأنها ستتغير.
وإذا كان المدنيون لا يستطيعون بعد فرض هذه التدابير، فالمطلوب ألا يخفوا حدود قدرتهم عن أنفسهم. فعجزهم ليس تهمة شخصية، لكنه معلومة عن توزيع السلطة داخل التحالف. وقد يكون حضورهم مهماً وصادقاً، لكنه لا يصبح قيادة مدنية لمجرد وجودهم في الهيئات، إذا ظل القرار الملزم بيد من يملك السلاح والمال والأرض.
وهنا أضع أمام