خبر ⁄سياسي

فلاي دبي تشعل معركة أمنية وانتخابية في إسرائيل

نشر:آخر تحديث:
فلاي دبي تشعل معركة أمنية وانتخابية في إسرائيل

حولت إسرائيل حادثة طائرة "فلاي دبي" المتجهة من دبي إلى تل أبيب، يوم 30 سبتمبر/أيلول، إلى قضية تتجاوز التحقيق في محاولة إسقاط الطائرة، بعدما دخلت مباشرة في الصراع الانتخابي بشأن قدرة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على توقع الأخطار الأمنية، ثم امتدت إلى إيران والإمارات والسعودية وترتيبات أمن الطيران الإقليمي.

وأظهرت التطورات حتى صباح الأول من أكتوبر/تشرين الأول مفارقة مركزية، تتمثل في ربط وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس الحادث بتحذيرات استخبارية سبقت الانتخابات، في حين أكد نتنياهو بعد ساعات أنه لم تكن هناك معلومة استخبارية محددة مسبقا عن محاولة استهداف الطائرة، وأن دوافع مساعد الطيار العماني وصلاته المحتملة ما تزال موضع تحقيق.

قصص مقترحة

list of 2 itemsend of list

انقلاب القصص

بدأت القصة كإشارة اختطاف وهبوط اضطراري في تبوك، ثم انتقلت الرواية من "شجار بين الطيارين" إلى الاشتباه بمحاولة إسقاط الطائرة، وكتب المحلل العسكري في "هآرتس" عاموس هارئيل يوم 1 أكتوبر/تشرين الأول أن إسرائيل كانت "على بعد خطوة" من كارثة، لكنه شدد على أن الواقعة كشفت ثغرات في تدقيق خلفيات الأطقم والتفتيش.

إسرائيل كانت "على بعد خطوة" من كارثة (الجزيرة)

أما العميد احتياط زفيكا حايموفيتش، القائد السابق لمنظومة الدفاع الجوي، فكتب للقناة 12 أن "الإرهاب الجوي" ما زال ضمن أعلى السيناريوهات التي تتدرب عليها المؤسسة الأمنية.

وأظهرت "يديعوت أحرونوت" أن الجيش استعد لاحتمالات تشمل اعتراض الطائرة أو إسقاطها إذا اتجهت إلى مركز سكاني، في حين نقلت "معاريف" شهادات ركاب قالوا إنهم ظنوا أنهم سيموتون، وتغطية دولية بدأت بحذر قبل أن تتجه إلى فرضية الهجوم.

سباق انتخابي

اكتسبت الحادثة وزنا انتخابيا استثنائيا لأنها وقعت بعد ساعات من تصريح لنتنياهو في قاعدة تل نوف الجوية، قال فيه إن هناك "مؤشرات" إلى أن أعداء إسرائيل قد يحاولون مهاجمتها قبل الانتخابات.

إعلان

ودفع التصريح زعيم المعارضة يائير لبيد إلى طلب إحاطة أمنية عاجلة، وبعد اجتماعه بنتنياهو مساء 29 سبتمبر/أيلول، قال لبيد إن "الأمن ليس خلفية لفيديو انتخابي" وإنه لا يرى سببا لإدخال الجمهور في حالة هلع، في وقت نقل فيه موقع "والا" عن مسؤولين إسرائيليين قولهم إنه لم يطرأ آنذاك إنذار استخباري محدد يشير إلى هجوم وشيك.

صراع بين المعارضة والائتلاف في اسرائيل حول وجود تحذير مسبق لحادثة "فلاي دبي" (رويترز)

وبعد حادث "فلاي دبي" أعاد كاتس ربط الوقائع بذلك التحذير، وقال الصحفي إليشع بن كيمون في "يديعوت أحرونوت" إن تحذيرات نتنياهو ووزير الدفاع كانت "مبنية على معلومات استخبارية" مضيفا أنه يتعين على "الأعداء في الخارج والسابقين غير المحدثين في الداخل" أخذها بجدية.

وهكذا استخدمت الحادثة لتعزيز رواية حكومية تقول إن إسرائيل تواجه أخطارا متزايدة قبيل الانتخابات، رغم أن التحقيق في دوافع مساعد الطيار لم يكن قد انتهى.

حرب الروايات

ورد لبيد مباشرة، وقال "لا شيء يشبه حادث الطائرة هذا الصباح ظهر في الإحاطة الأمنية مع رئيس الوزراء" واتهم محيط نتنياهو بمحاولة ممارسة "سياسة رخيصة على حساب أمن إسرائيل".

وانتقلت المواجهة بذلك من سؤال عما جرى داخل قمرة القيادة إلى نزاع بشأن مضمون المعلومات الاستخبارية ومدى ارتباطها بتحذيرات نتنياهو الانتخابية.

اعتقاد بأن نتنياهو "يبالغ عمدا" في التحذير من أجل دفع الأمن لصدارة جدول الأعمال (رويترز)

ودخل قادة اليمين المنافسة على تفسير الحادث، فقال وزير المالية وزعيم حزب الصهيونية الدينية بتسلئيل سموتريتش إن من حاول قتل نحو 180 إسرائيليا ينبغي التعامل معه كما لو أنه قتلهم، في حين دعا وزير الأمن القومي وزعيم حزب عوتسما يهوديت إيتمار بن غفير إلى رفع مستوى "مفهوم الأمن الإسرائيلي".

ورأت رافيت هيخت، الكاتبة السياسية في "هآرتس" أن معسكر غادي آيزنكوت يعتقد أن نتنياهو "يبالغ عمدا" في التحذير من أجل دفع الأمن إلى صدارة جدول الأعمال، ونقلت عن مصدر معارض قوله إن دخول نتنياهو إلى الملف الأمني يفتح عليه أيضا أسئلة نقص الجنود وتحذيرات ما قبل 7 أكتوبر/تشرين الأول.

الشارع ينقسم

ويعطي تحليل نشره "والا" مساء 30 سبتمبر/أيلول مؤشرا رقميا على سرعة التسييس، فقد حلل الموقع أكثر من 10 آلاف منشور ومادة إسرائيلية حصدت قرابة مليوني تفاعل، ووجد أن النقاش انتقل خلال ساعات من محاولة فهم ما حدث إلى السخرية، ثم السجال السياسي.

وبين الساعة 13:45 و14:30 أصبح الجدل السياسي موضوع 45%من المنشورات، وبلغت نسبته 30% من إجمالي المواد التي شملها التحليل، وظهر اسم نتنياهو في 28% منها، وبين المنشورات التي ذكرته سخر 60% من الربط بين الحادث وتحذيره السابق، بينما رأى 32% أن الحادث أثبت صحة التحذير.

وهكذا لم تنتظر المعركة نتائج التحقيق، فقد دخل الحادث مباشرة إلى سوق الروايات الانتخابية، بين فريق يقدمه برهانا على التهديدات وفريق يرى أن الحكومة تلحق حادثا لم تكن تعرفه بتحذير عام سابق.

إيران والتحقيق

الملف الإيراني كان أكثر حساسية، وقال نتنياهو لـ"فوكس نيوز" إنه "من السابق لأوانه" تحديد تورط طهران، بينما نقل إيتامار إيخنر في "يديعوت أحرونوت" أن رئيس الوزراء أقر بعدم وجود مؤشر استخباري محدد، ونقل المراسل العسكري في "معاريف" آفي أشكينازي عن مسؤول أمني رفيع قوله "لم نتلق أي تحذير" بشأن خطف أو إسقاط طائرة، ولم تظهر صلة مباشرة بإيران حتى صباح 1 أكتوبر/تشرين الأول.

تحذيرات من ربط ايران بحادثة "فلاي دبي" مما قد يؤدي الى شن هجمات استباقية (رويترز)

وذهبت القناة 13 أبعد في توصيف مسار التحقيق، إذ قالت إن الاتجاه السائد يرجح مهاجما منفردا، مع بقاء التحقيق مفتوحا، وإنه لا توجد مؤشرات واضحة على توجيه إيراني.

إعلان

ويحذر داني سيترينوفيتش، الباحث في الشأن الإيراني بمعهد دراسات الأمن القومي، في مقابلة مع "معاريف"، من الخلط بين "القدرة والنية" قائلا إن ربط طهران سريعا بأحداث لم تحسم مسؤوليتها قد يغذي "سوء التقدير" بين الطرفين.

وفي المقابل، أشار بن درور يميني -في مقال "يديعوت أحرنوت"- إلى تقدير يغال كرمون رئيس معهد ماميري لدراسات الشرق الأوسط، بأن الحادث قد يكون تجسيدا لتهديد إيراني سابق.

ثغرة وتطبيع

من الزاوية الأمنية، نقل أشكينازي أن وزارة النقل تفرض قواعد أمنية على الرحلات الأجنبية، تشمل فحص الأطقم وجوازاتهم، لكنه كشف أيضا أن بعض الرحلات المستأجرة التي تسوقها شركات إسرائيلية لا تحصل على "حزمة الأمن الإسرائيلية الكاملة" وهذه المفارقة وسعت النقاش من مساءلة "فلاي دبي" إلى مساءلة نموذج الرقابة الإسرائيلي نفسه.

وفي بعد آخر، وصف بن درور يميني خط دبي بأنه "جوهرة تاج التطبيع" مشيرا إلى نحو 10 رحلات يومية وإلى استمرار العلاقات الإماراتية الإسرائيلية رغم الحرب.

وقد أعطى هبوط الطائرة في السعودية للحادث بعدا إقليميا إضافيا، إذ أشاد مسؤول أمني إسرائيلي بالرياض لأنها "تصرفت بمسؤولية" بينما قال نتنياهو إنه اتفق مع محمد بن زايد على مشاركة إسرائيل في التحقيق وتشديد ترتيبات الأمن.

الإمارات وافقت على مشاركة اسرئيل بالتحقيق في حادثة "فلاي دبي" (الأوروبية )

وتضيف مواد "معاريف" و"يديعوت أحرنوت" وجها آخر للثغرة، مشيرة إلى أن بعض الركاب رفضوا في البداية العودة على طائرة أخرى للشركة الإماراتية، وقال أحدهم إنه "لن يصعد إلا إذا لم يكن هناك خيار" بينما رفضت السعودية -وفق مصادر أمنية- هبوط طائرات إسرائيلية لإعادتهم.

وفي المقابل، دعت "فلاي دبي" إلى الامتناع عن "التكهنات السابقة لأوانها" حتى اكتمال التحقيق، وهو تحفظ تكرر في التغطيات الدولية التي رصدتها "معاريف".

كما أبرزت القناة 13 مفارقة أن تشديد متطلبات الشاباك كان يمنع الشركات الإسرائيلية نفسها من الطيران إلى الإمارات، في اللحظة التي طالبت فيها وزيرة النقل ميري ريغيف بأن تحل هذه الشركات محل "فلاي دبي" ولذلك امتد النقاش إلى بنية أمن الطيران، والمسؤولية عن فحص الطواقم الأجنبية، وكلفة التشدد الأمني على الأسعار والرحلات.

وزادت هذه المفارقة الضغط على الحكومة لتفسير سبب السماح لشركة أجنبية بتشغيل خط حساس بينما بقيت الشركات الإسرائيلية خارجه، وهو سؤال أمني وتجاري تداخل سريعا مع خطاب السيادة والحماية قبل موعد الاقتراع المقبل.

فاتورة اقتصادية

اقتصاديا، لم تنتظر السوق التحقيق أيضا فقد أفادت يفعات رؤوفين في "ذا ماركر" بارتفاع  أسهم شركات الطيران الإسرائيلية حيث ارتفع سهم "إسرائير" 8.8% و"إل عال" (العال) 7.9% مع زيادة الطلب على الشركات الإسرائيلية.

وتحدثت "يديعوت أحرنوت" عن ركاب يبحثون عن مسارات بديلة قد تكلف آلاف الدولارات، بينما حذرت "ذا ماركر" من أن تراجع الثقة في الشركات الإماراتية قد يرفع الأسعار ويزيد حصة شركات الطيران الإسرائيلية "إل عال" و"إسراير" و"أركيع".

وفي موازاة ذلك، دفعت وزيرة النقل نحو تعليق رحلات "فلاي دبي" وشكلت لجنة لبحث ترخيصها، بينما طالب أوز بيرلوفيتز الرئيس التنفيذي لـ"أركيع" بإعادة الشركات الإسرائيلية إلى دبي قائلا "دعونا نطير". وهكذا تحولت الثغرة الأمنية إلى فرصة تجارية ونقاش حول الاعتماد على الناقلات الأجنبية في أحد أهم خطوط إسرائيل الجوية.

وفي الخلاصة تكشف مجمل التغطيات في وسائل العلام الإسرائيلية أن الحادث ولد 4 معارك في وقت واحد: تحقيقا أمنيا في الثغرة والدافع، صراعا انتخابيا على معنى التحذير السابق، جدالا إقليميا حول إيران والتطبيع، منافسة اقتصادية على سوق الطيران.

إعلان

ولم تثبت المنشورات الاسرائيلية حتى الآن وجود إنذار مسبق محدد بشأن الرحلة أو توجيه إيراني، بينما تثبت أن الواقعة أصبحت جزءا من خطاب الانتخابات قبل اكتمال التحقيق.

وبذلك لم تعد "فلاي دبي" قصة طائرة نجت فحسب، بل أضحت اختبارا لكيفية ترجمة الأزمات الأمنية في إسرائيل إلى رواية سياسية وقرار أمني ومصلحة اقتصادية في اللحظة نفسها.

aljazeera.net