المحاماة.. رسالة العدالة وحصن الحقوق.. الحلقة الرابعة: أخلاق المحاماة حين تكون المهنة سلوكا
المحاماة.. رسالة العدالة وحصن الحقوق
الحلقة الرابعة: أخلاق المحاماة… حين تكون المهنة سلوكاً
ميرغني الحبر/ المحامي
إذا كانت المحاماة علماً وخبرة، وإذا كان المحامي يتعامل مع حقوق الناس وأموالهم وحرياتهم ومصالحهم، فإن معرفة القانون وحدها لا تكفي.
فقد يعرف الإنسان النصوص، ويفهم الإجراءات، ويجيد المرافعة، ويملك القدرة على الإقناع، لكنه يفتقد شيئاً لا تمنحه الكتب ولا تصنعه الشهادات: أخلاق المهنة.
وهنا تبدأ المسألة الأعمق في المحاماة.
فالمهنة لا تختبر المحامي فقط في مقدار ما يعرف، وإنما في كيفية استخدامه لما يعرف.
قد يكون هناك طريق يسمح به القانون، لكن المحامي يختار ألا يسلكه لأنه يتعارض مع شرف المهنة.
وقد يستطيع أن يستفيد من جهل خصمه بإجراء معين، لكنه يختار أن يبقى في حدود المنافسة المهنية الشريفة.
وقد يعرف أن موكله يريد منه أكثر مما يستطيع القانون أن يمنحه، فيقول له الحقيقة، حتى لو كانت الحقيقة أقل إرضاءً من الوعد الذي ينتظره.
وهنا يصبح الخُلُق جزءاً من الكفاءة المهنية، لا أمراً زائداً عليها.
المحامي وأمانة الثقة
من يدخل مكتب المحامي لا يأتيه دائماً وفي يده ملف مرتب ووقائع واضحة.
قد يأتيه خائفاً، أو مرتبكاً، أو مهدداً بفقدان مال أو حق أو علاقة أو مستقبل.
وقد يضع أمامه أسراراً لم يقلها لأقرب الناس إليه.
ولهذا فإن علاقة المحامي بموكله ليست علاقة عادية بين مقدم خدمة وطالب خدمة؛ إنها تقوم على قدر كبير من الثقة.
والمحامي الذي لا يصون هذه الثقة، لا يخسر موكله وحده؛ وإنما يسيء إلى معنى المهنة نفسها.
فالسر الذي يصل إلى المحامي بسبب مهنته ليس مادة للحديث، ولا وسيلة للضغط، ولا ورقة للمساومة.
والأمانة هنا ليست فضيلة شخصية فحسب، وإنما مسؤولية قانونية ومهنية.
لكن الثقة لا تعني أن يصبح المحامي تابعاً لموكله.
فالمحامي ليس موظفاً ينفذ كل ما يطلب منه، ولا شريكاً في كل ما يريده موكله، وإنما هو مهني يقدم المشورة ويمثل الحقوق في حدود القانون وأخلاق المهنة.
وقد يكون من أصعب المواقف على المحامي أن يقول لموكله:
لا.
لا لهذا الإجراء، ولا لهذا المستند، ولا لهذه الوسيلة، ولا لهذا الطريق.
وقد يكون هذا الرفض هو أكثر ما يحتاج إليه الموكل من محاميه.
المحامي لا يبيع الوهم
من أخطر ما يمكن أن يصيب مهنة المحاماة أن يتحول المحامي من صاحب معرفة إلى بائع للوعود.
فالقضية لا يملك المحامي ضمان نتيجتها فلا يجوز أن يقدمها للموكل على أنها نتيجة مؤكدة.
والحكم ليس بيد المحامي، والقرار ليس ملكه، والخصم ليس تحت سيطرته.
لذلك فإن من أخلاق المحامي أن يكون صادقاً في تقديره، واضحاً في مشورته، وأميناً في حديثه عن فرص النجاح والمخاطر المحتملة.
قد تكون الحقيقة غير مريحة للموكل، لكن المحامي الصادق لا يستبدلها بما يرضيه.
فليس من المهنية أن يقول المحامي لموكله ما يريد أن يسمعه، وإنما أن يقول له ما يحتاج إلى أن يعرفه.
المحامي المهني لا يبيع لموكله الأمل؛ وإنما يمنحه المعرفة التي تمكنه من اتخاذ قراره.
بين حق الموكل وواجب المحامي
قد يظن البعض أن ولاء المحامي لموكله يعني أن يفعل كل شيء من أجله.
وهذا فهم غير صحيح لمعنى الولاء المهني.
فالمحامي مطالب بأن يحمي مصالح موكله، وأن يدافع عن حقوقه، وأن يبذل العناية المهنية اللازمة، لكنه لا يستطيع أن يجعل من مصلحة موكله مبرراً لمخالفة القانون أو تضليل القضاء أو الإضرار بالغير بوسيلة غير مشروعة.
ولاء المحامي لموكله لا يعني الخروج على القانون.
بل إن أعظم صور الولاء المهني أن يحمي المحامي موكله حتى من النتائج التي قد تترتب على نصيحة خاطئة أو تصرف غير مشروع.
ولهذا فإن المحامي لا ينبغي أن يسأل نفسه فقط:
ماذا يريد موكلي؟
بل عليه أن يسأل أيضاً:
ما الذي يستطيع أن يفعله له في حدود القانون؟ وما الذي ينبغي ألا يفعله مهما كانت مصلحة الموكل؟
وهنا تظهر شخصية المحامي الحقيقية.
المحامي وخصمه
الأخلاق المهنية لا تظهر فقط في علاقة المحامي بموكله.
تظهر أيضاً في علاقته بخصمه، وبمحامي الخصم، وبالقضاء، وبزملائه.
فالخصومة القضائية لا تعني العداء الشخصي.
وقد يختلف محاميان في قضية، ويتبادلان الحجج، ويختلف كل منهما مع الآخر في تفسير الوقائع والقانون، ثم يخرجان من قاعة المحكمة محتفظين بالاحترام المتبادل.
وهذا ليس ضعفاً في الخصومة.
بل هو أحد مظاهر رقيها.
فالمحامي الناجح لا يحتاج إلى الإساءة حتى يقنع، ولا إلى رفع صوته حتى ينتصر، ولا إلى التقليل من خصمه حتى يبدو أقوى.
قوة الحجة لا تحتاج إلى إساءة، والاختلاف لا يفسد الاحترام.
وفي مهنة تقوم على الخصومة، يصبح احترام الخصم جزءاً من احترام المهنة نفسها.
المحامي أمام القضاء
للمحامي أن يدافع، وأن يناقش، وأن يعترض، وأن يتمسك بما يراه حقاً لموكله.
لكن كل ذلك ينبغي أن يتم في إطار من الاحترام للقضاء.
فالاختلاف مع الحكم أو مع إجراء من إجراءات المحكمة لا يعني إساءة الأدب مع المحكمة، والتمسك بحقوق الموكل لا يعني تجاوز حدود اللياقة المهنية.
المحامي لا يفقد احترامه للقضاء لأنه يمارس حقه في الدفاع، كما أن احترامه للقضاء لا يعني أن يتخلى عن حقه في الدفاع.
وهنا تظهر واحدة من أهم معادلات المهنة:
احترام القضاء لا يعني الصمت عن الحق، والدفاع عن الحق لا يعني الإساءة إلى القضاء.
الأخلاق حين لا يراه أحد
ربما يكون أصعب اختبار لأخلاق المحامي هو الموقف الذي لا يراه فيه أحد.
حين لا توجد كاميرا، ولا جمهور، ولا قاعة محكمة، ولا خصم يراقب.
حين يكون قادراً على استغلال ثغرة لا ينتبه إليها أحد، أو على الاحتفاظ بمعلومة لمصلحة شخصية، أو على تقديم وعد يعرف في داخله أنه لا يستطيع الوفاء به.
هناك، بعيداً عن التصفيق والأنظار، تظهر حقيقة المهنة.
فالأخلاق المهنية ليست ما يقوله المحامي عن نفسه، وإنما ما يفعله عندما تتعارض مصلحته مع ما تقتضيه أمانة المهنة.
هل تكفي قواعد المهنة؟
القواعد المهنية مهمة، والالتزام بالقانون واللوائح والضوابط أمر لا غنى عنه.
لكن القانون لا يستطيع أن يضع أمام المحامي إجابة مكتوبة لكل موقف.
فالحياة المهنية أوسع من النصوص.
وقد يواجه المحامي موقفاً لا يجد فيه مادة صريحة تقول له ماذا يفعل، لكنه يجد في ضميره المهني ما يهديه إلى ما ينبغي أن يفعله.
وهنا يظهر الفرق بين الالتزام بالقواعد والتمسك بروح المهنة.
فليس كل ما لا يعاقب عليه القانون بالضرورة جديراً بأن يفعله المحامي.
وقد يكون التصرف جائزاً من الناحية الشكلية، لكنه لا ينسجم مع الأمانة أو النزاهة أو كرامة المهنة.
ولهذا فإن المحاماة تحتاج إلى قانون ينظمها، لكنها تحتاج أيضاً إلى ضمير مهني يحرسها.
المهنة التي نحميها من داخلها
ونحن حين نتحدث عن أخلاق المحاماة لا نريد أن نقدم صورة مثالية لا وجود لها.
المحامون بشر، يصيبون ويخطئون، وتختلف بينهم القدرات والطباع والمستويات.
لكن قيمة المهنة لا تتطلب أن يكون كل من ينتسب إليها كاملاً؛ وإنما تتطلب أن تكون للمهنة معايير واضحة، وأن تكون هناك مساءلة حين تُنتهك هذه المعايير.
فحماية المحامي من المساءلة ليست حماية للمحاماة.
وحماية المهنة لا تكون بالتساهل مع من يسيء إليها.
كما أن خطأ محامٍ لا يجوز أن يتحول إلى حكم على مهنة بأكملها.
نحن لا نريد محاماة بلا أخطاء؛ وإنما نريد محاماة تعرف كيف تصحح أخطاءها وتحمي معاييرها.
وهذا هو معنى الإصلاح الحقيقي.
أن نحمي المهنة من داخلها، وأن نرفع معاييرها، وأن نربي أجيالها الجديدة على أن المحاماة ليست مجرد وسيلة للكسب، ولا مجرد لقب مهني، وإنما مسؤولية يحملها صاحبها أينما ذهب.
في النهاية…
قد يتعلم المحامي القانون في الجامعة، ويكتسب الخبرة في الممارسة، ويطور مهاراته بالعمل والتجربة.
لكن هناك شيئاً لا يمكن أن تمنحه الشهادة وحدها:
أن يعرف متى يستخدم قوته، ومتى يتوقف؛ ومتى يتمسك بحقه، ومتى يبحث عن التسوية؛ ومتى يتحدث، ومتى يكون الصمت أبلغ؛ ومتى يقول لموكله نعم، ومتى يكون واجبه أن يقول له لا.
وهنا يصبح المحامي أكثر من رجل يعرف القانون.
يصبح رجل مهنة تحكمها قيم.
وإذا كانت المعرفة تمنح المحامي القدرة على ممارسة المهنة، فإن الأخلاق هي التي تمنحه الاستحقاق لأن يكون جديراً بها.
ومن هنا، ربما نصل إلى سؤال آخر لا يقل أهمية:
إذا كان المحامي يحتاج إلى الاستقلال حتى يؤدي رسالته، فمن الذي يحمي استقلاله؟
وهل استقلال المحاماة امتياز للمحامين، أم أنه في الحقيقة ضمانة للمجتمع نفسه؟
هناك تبدأ حكاية أخرى…
حكاية استقلال المحاماة.
المحاماة.. رسالة العدالة وحصن الحقوق.. الحلقة الثالثة: المحامي… ليس رجل المحكمة فقط
altaghyeer.info