يا ويلنا من هذا الهدر! شمال الوادي.. حين يصبح الذهب أغلى من الإنسان!
بقلم: أم نعيم النور أحمد
يااا ويلنا من هذا الهدر!
أيُّ وطنٍ هذا الذي يخرج أبناؤه بحثًا عن لقمة العيش، فيعود بعضهم جثامين، ويظل بعضهم الآخر في عداد المفقودين، بينما تقف أسرهم على أبواب الانتظار، لا تعرف أتبكي موتاها أم تتمسك بأمل عودتهم؟
ما حدث في شمال الوادي ليس خبرًا عابرًا يُستهلك لساعات على منصات التواصل، ثم يُدفن تحت ركام الأخبار الجديدة. إننا أمام مأساة إنسانية بالغة الخطورة، تتعلق بأرواح سودانيين خرجوا إلى مناطق التعدين الأهلي بحثًا عن الذهب، فإذا بهم يجدون أنفسهم وسط مشهد من الموت والدمار والفرار.
التقارير المتداولة في 10 و11 أكتوبر 2026 تحدثت عن غارات جوية استهدفت مواقع للتعدين الأهلي، مع اتهامات للطيران المصري، وتباين واضح في حصيلة الضحايا؛ إذ أعلنت جهات حقوقية أرقامًا مرتفعة، بينما أوردت شبكة أطباء السودان حصيلة أولية أقل في حادثة مرتبطة بالمنطقة الحدودية. وحتى الآن، تظل الحاجة إلى تحقيق مستقل يحدد الوقائع والمسؤوليات أمرًا لا يقبل التأجيل.
لكن وسط اختلاف الأرقام والروايات، هناك حقيقة لا تحتمل الجدل: أرواح السودانيين ليست أرقامًا هامشية، ودماؤهم ليست تفصيلًا يمكن تجاوزه بالصمت.
الدهابة ليسوا أرقامًا في نشرة أخبار
هؤلاء الرجال لم يذهبوا إلى الصحراء بحثًا عن الرفاهية. كثيرون منهم دفعتهم قسوة الظروف الاقتصادية، وانهيار مصادر الرزق، وتداعيات الحرب، إلى المخاطرة بأرواحهم في رحلة البحث عن الذهب.
وراء كل رجل خرج إلى التعدين أمٌّ تنتظر، وزوجة تخشى انقطاع الاتصال، وأطفال يحلمون بعودة أبيهم محمّلًا بما يعينهم على الحياة. وراء كل اسم قد لا يتصدر الأخبار بيتٌ كامل يمكن أن ينهار بفقد صاحبه.
فهل يُعقل أن يصبح السوداني محاصرًا بين حربٍ تلتهم وطنه، وفقرٍ يطارد أسرته، وصحراءٍ يذهب إليها بحثًا عن النجاة، ثم يجد الموت في المكان الذي ظن أنه سيمنحه فرصة للحياة؟
أيُّ هدرٍ هذا؟ وأيُّ قسوةٍ تجعلنا نعتاد أخبار الموت حتى تكاد أرواحنا تفقد قدرتها على الغضب؟
أين الدولة حين يحتاج المواطن إلى الحماية؟
السؤال هنا ليس موجَّهًا إلى جهة واحدة فحسب، بل إلى كل مسؤول سوداني يتولى موقعًا عامًا، وكل مؤسسة يُفترض أنها وُجدت لحماية المواطن وصون كرامته.
أين التقييم الأمني للمناطق الحدودية؟ أين التحذيرات الواضحة للمعدّنين؟ أين قنوات الإجلاء والإنقاذ والإسعاف؟ وأين التحرك الدبلوماسي العاجل حين تتعرض أرواح السودانيين للخطر خارج مناطق القتال المعتادة؟
إن واجب الدولة لا ينتهي عند إصدار بيان تعزية، ولا يتحقق بمجرد إعلان تشكيل لجنة بعد وقوع الكارثة. واجبها أن تتحرك قبل أن يسقط الضحايا، وأن تحمي مواطنيها ما استطاعت، وأن تبحث عن المفقودين، وتعالج المصابين، وتكشف الحقيقة للرأي العام.
الصمت الرسمي، إن استمر من دون تفسير أو تحرك ملموس، لا يمكن أن يكون بديلًا عن المسؤولية.
وإذا كانت هناك تحذيرات سابقة من مخاطر المنطقة، فمن حق الناس أن يعرفوا: ما الذي فُعل لحمايتهم؟ وهل وصلت إليهم التحذيرات؟ وهل اتُّخذت إجراءات كافية لإبعاد المدنيين عن الخطر؟
هذه أسئلة للمساءلة، وليست أحكامًا مسبقة على أشخاص أو مؤسسات.
السيادة ليست شعارًا يُرفع عند الحاجة
إن صحت الاتهامات المتعلقة باستهداف معدّنين سودانيين داخل الأراضي السودانية، فإن الأمر يستوجب موقفًا رسميًا حازمًا وتحقيقًا مستقلًا يكشف الجهة المسؤولة، ويحدد طبيعة العملية ومكانها، ويضمن محاسبة كل من تثبت مسؤوليته وفق القانون.
لا يجوز أن تُنتهك حياة السودانيين، ثم يُطلب منهم الصمت مراعاةً للحسابات السياسية أو تعقيدات العلاقات بين الدول.
وفي الوقت نفسه، فإن قوة الموقف الوطني لا تُقاس بعلوّ الشعارات ولا باندفاع الاتهامات، وإنما بامتلاك الأدلة، وحماية المواطنين، والتحرك الدبلوماسي والقانوني الفعّال.
لسنا بحاجة إلى غضبٍ بلا نتيجة، ولا إلى خطابات نارية تنتهي بانتهاء التفاعل على وسائل التواصل. نحن بحاجة إلى دولة تعرف كيف تصون كرامة مواطنيها، وكيف تدافع عن حقوقهم، وكيف تجعل دماءهم قضية لا تسقط بالتقادم.
من يحاسب عن هذا النزيف؟
نريد تحقيقًا مستقلًا وشفافًا في أحداث شمال الوادي، وإعلانًا واضحًا لحصيلة القتلى والمصابين والمفقودين بعد التحقق منها، وكشفًا لهويات الضحايا بما يحفظ كرامتهم وحقوق أسرهم.
نريد حصر الأضرار، وإجلاء المصابين، والبحث عن المفقودين، وإبلاغ الأسر بمصير أبنائها، وتقديم المساعدة العاجلة للمتضررين.
ونريد مراجعةً جادةً لآليات تأمين مناطق التعدين الأهلي، وتقييمًا معلنًا للمخاطر الحدودية، وإجراءات تمنع تكرار هذه المأساة.
كما نريد من الحكومة السودانية أن توضح للرأي العام ما قامت به، وما تعتزم القيام به، وما إذا كانت قد تحركت رسميًا بشأن الحادثة.
هذه ليست مطالب ترفٍ سياسي، ولا مزايدة وطنية. هذه حقوق مواطنين، وواجبات مؤسسات، ومسؤوليات لا يجوز أن تضيع بين البيانات المتناقضة والحسابات المعقدة.
أخيرًا.. إلى متى يظل السوداني هو الخاسر الوحيد؟
لقد أنهكت الحرب هذا الشعب، وشرّدت أبناءه، ومزّقت أسره، وأفقرت أجيالًا كاملة. فهل يُعقل أن يصبح الموت قدرًا يلاحق السوداني أينما ذهب؟ إن بقي في وطنه طاردته الحرب، وإن نزح بحثًا عن الأمان طاردته المعاناة، وإن خرج بحثًا عن الرزق لاحقته المخاطر حتى في أقاصي الصحراء.
يا ويلنا من وطنٍ تُستنزف فيه الأرواح كما تُستخرج المعادن من باطن الأرض!
ويا ويلنا من اعتياد المآسي، ومن تحويل الفواجع إلى منشورات عابرة، ومن انتظار أن تقع الكارثة كاملةً حتى نبدأ في طرح الأسئلة التي كان ينبغي أن نطرحها قبلها.
إن الذهب الذي يبحث عنه الدهابة لا يساوي روحًا واحدة، ولا يعوّض طفلًا يتيمًا، ولا يردّ أبًا إلى أسرته، ولا يمحو دمعة أمٍّ تنتظر خبرًا لا يأتي.
لا نريد تعاطفًا مؤقتًا، بل حقيقةً كاملة. لا نريد وعودًا، بل مسؤوليةً ومحاسبة. لا نريد بياناتٍ تبرر الصمت، بل دولةً تتحرك لحماية مواطنيها.
رحم الله من قضوا، وشفى المصابين، وردّ المفقودين إلى أهلهم، وربط على قلوب الأسر المكلومة.
أما دماء السودانيين، فلا ينبغي أن تُطوى في ملفٍ منسي، ولا أن تصبح بندًا صغيرًا في حسابات السياسة.
فالإنسان أولًا، والسيادة مسؤولية، والدولة التي لا تجعل حماية مواطنيها أولويةً قصوى مطالبةٌ بأن تراجع نفسها قبل أن يبتلع الصمت مزيدًا من الأرواح.
مشاركة الخبر
ugandainarabic.com