خبر ⁄سياسي

وصمة التعميم: سوسيولوجيا المشكلات السلوكية في أعلام التواصل الاجتماعي 

نشر:آخر تحديث:

 

وصمة التعميم: سوسيولوجيا المشكلات السلوكية في أعلام التواصل الاجتماعي 

د. عبدالناصر علي الفكي

 

الفضاء الافتراضي باتساعه وتأثيره لم يعد مجرد ساحة للتواصل والترفيه ، وإنما مصدر معلومات عن الصور الذهنية للمجتمعات والدول، وتُشكَّل بالتالي اهم طرق مصادر المعرفة عن الشعوب وسمات الثقافية والاجتماعية قبل أن تُعرف حقائقها. وفي إطار هذا الانفجار الإعلامي الكوني ، برزت ظاهرة بالغة الخطورة: أن تتحول المشكلة السلوكية الفردية — وهي بطبيعتها استثناء محدود — إلى مادة إعلامية تُعمَّم على المجتمع ككل، فتُلصق به وصمة تتجاوز نسبتها الواقعية بنسب مضاعفة، وبالتالي تُبنى عليها صورة ذهنية مغايرة عن صورة المجتمع الحقيقية.

وتتعاظم هذه الإشكالية حين تعتمد مواقع التواصل الاجتماعي — ولا سيما تيك توك وفيسبوك وتويتر وغيرها — على الإثارة والتشويق في تناول المشكلات السلوكية عبر فضاء مفتوح متنوع الوعي والسن والنوع والاعتقاد، دون انتباه يُذكر إلى الضوابط المنهجية والمهنية. فالسرعة في التنبيه إلى المشكلة لا تقابلها سرعة مماثلة في التحقق منها أو معالجتها، بل غالباً ما تسبقها وتستبقها، فتتحول المشكلة إلى مادة استهلاكية تُدرّ المشاهدات قبل أن تُدرس علمياً.

وهنا يتكشف جوهر الأزمة: خلط معرفي بين ما هو فردي وما هو اجتماعي، وبين ما هو استثناء وما هو قاعدة، يترتب عليه تضخيم الوصمة وتعميمها ونشرها على كل من ينتمي إلى المجتمع. وهو خلط لا يُعالَج بالإنكار ولا بالتجميل، بل بمنهج علمي متكامل يضع المشكلة في سياقها، ويميّز بين الحالة الفردية والظاهرة الاجتماعية وفق شروط موضوعية، ويستعين بالمتخصصين في العلوم الاجتماعية والإنسانية والسلوكية قبل أن يُطلق الحكم أو يُصنع “الترند”.

فالسؤال الذي يطرحه هذا المقال ليس: هل توجد مشكلات سلوكية في مجتمعاتنا؟ — فهذا أمر لا ينكره أحد — بل: من يملك الحق في تحويل هذه المشكلات إلى صورة معتمدة عن الوطن؟ وبأي منهج؟ وأي ثمن تدفعه صورة المجتمع عندما يتحول النقد إلى وصمة، والاستثناء إلى قاعدة، والصخب إلى بديل عن التحليل؟

وتتمثل الإشكالية الأساسية في حدوث حالة من الخلط المعرفي بين المشكلة الفردية السلوكية (غير المقبولة) والتعميم الذي يبني صورة ذهنية مُدركة عن المجتمع ككل، في مقابل المجتمعات الأخرى المغايرة، بما يجعل منها وصمة شبه دائمة — أو دائمة — تُلصق بكل من ينتمي إلى ذلك المجتمع. والمنهجية في العلم تؤكد أن المشكلة تكتسب صفة التعميم إذا مثّلت نسبة مئوية معتبرة للفئة (تقديرياً 3٪). غير أن هذا لا يعني إهمال الحالات الأقل معدلاً، وإنما يعني دراستها وفق ما يقرره المتخصصون في العلوم الاجتماعية والإنسانية والسلوكية، بإجراء المسوحات والأبحاث التي تساعد على الإحاطة بالموضوع والسيطرة عليه، وما يرتبط بها من آليات التخطيط والسياسات الاجتماعية، بالتداخل مع القانون والسياسة والاقتصاد والطب… الخ .

ويُضاف إلى ذلك أن بعض الأفراد ممن يعانون من هشاشة نفسية أو اضطرابات سلوكية قد يجدون في نشر الوصمة وتعميمها متنفساً لما يعانونه داخلياً، وفقاً لآلية الإسقاط النفسي (Projection) التي تُنسب فيها الصفات والرغبات والمشكلات غير المقبولة لدى الشخص إلى الآخرين، أو وفقاً للسلوك التعويضي (Compensatory Behavior) الذي يسعى صاحبه من خلاله إلى تعويض نقص داخلي أو إحباط نفسي عبر إبراز عيوب الآخرين. وفي كلتا الحالتين، تتحول المشكلة السلوكية الفردية إلى أداة إسقاط وتعميم، تُلحق الضرر بصورة المجتمع ككل، وتضخم الوصمة بما يتجاوز نسبتها الواقعية والحقيقية.

وتكمن خطورة مادة الإعلام التواصلي الاجتماعي في أنها تقوم في غالبها على الإثارة والتشويق من أجل الحضور المفتوح — المتنوع من حيث السن والنوع والعرق والوعي — مما يجعل البيئة قابلة لتضخيم المشكلات والظواهر. وفي المقابل، يمكن الاستفادة من جانب إيجابي آخر يدلل على معرفة مخرجات فعل البيئة الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية.

خطورة النشر غير المرشد أنه قد يشكّل بُعداً أمنياً واستخباراتياً يمكن أن يُستغل كأداة فاعلة ومعطى مجانياً يساعد على تحليل الاتجاهات النفسية والاجتماعية والمزاج العام للشعب والنخب والفاعلين. غير أن المفارقة أن هذه الوسائط، وإن كانت في آخر تناولها للمشكلات تُنبّه إليها بسرعة تفوق الوسائل التقليدية، فإن سرعتها في النشر لا تقابلها سرعة مماثلة في الاساليب المتبعة مهنيا، وغالباً ما تسبق ذلك، فتتحول المشكلة إلى مادة تعم وتصدر حول النتائج بالتعميم . وهنا تبرز أهمية دراسة بعض المشكلات والنتائج المترتبة ، إذ تتطلب السرية مبدأ أخلاقي قبل مرحلة الانتشار مما يلي يساعد علي إيجاد حل أو التقليل من اثارها، في سبيل حماية المجتمع. بدلاً من تضخيمها بالإثارة والتشويق؛ وهو نموذجا لذلك صحيفة الدار في السودان التي كانت تعتمد على الإثارة والتشويق بغرض البيع والكسب، وهو الذي يبدو اليوم بصورة أوسع عبر المنصات الافتراضية. تقتضي الأهمية في تعاون الجهات المختصة بتهيئة سياق يمكن من الحفاظ على سلامة الأمن المجتمعي والثقافي للمجتمع ، دون الإخلال بحرية التعبير والنشر، وبما يراعي المصلحة العظمى للمجتمع والدولة.

إن دراسة المشكلات السلوكية ليست مجالاً واحداً، بل تتوزع على ثلاث حقول متكاملة، تمتلك النظرية والمنهج والاساليب. علم الاجتماع تُدرَّس المشكلة الاجتماعية من خلال تحديد خصائصها وشروطها وقوانينها، ثم تفسيرها عبر نظريات متعددة مثل البنائية الوظيفية، ونظرية الصراع، والتفاعلية الرمزية، ونظرية الوصم الاجتماعي، مع استخدام الأسلوب السوسيولوجي الذي يربط السلوك الفردي بالبنية الاجتماعية والثقافية، ويميّز بين المشكلة الفردية والاجتماعية؛ وهذا التمييز جوهري، فما يُعرض على المنصات قد يكون مشكلة فردية، ولا يتحول إلى مشكلة اجتماعية إلا بشروط موضوعية. و علم النفس تُدرَّس المشكلات السلوكية من حيث دوافعها وعواملها المسببة، سواء كانت بيئية أو أسرية أو مدرسية، مع الاعتماد على نظريات التحليل النفسي والنظرية السلوكية والمعرفية في التفسير والتشخيص، والاهتمام بآليات مثل الإسقاط والسلوك التعويضي، لأنها تفسّر لماذا يلجأ بعض الأفراد إلى تعميم الوصمة؛ فهي في جوهرها سلوكيات ناتجة عن اضطراب داخلي أو نقص نفسي، وليست وصفاً موضوعياً للواقع. عند طرق الخدمة الاجتماعية فالمنهج هو الأكثر تطبيقياً؛ يبدأ بتحديد المشكلة وتقييمها، ثم بناء خطة تدخل، فتنفيذها، ثم تقييم النتائج. ويعتمد نموذج حل المشكلة على افتراض أن عجز الفرد والجماعة والمؤسسة عن التعامل مع مشكلته يعود إلى نقص في الدافعية أو القدرة أو الفرصة، لا إلى “مرض” في الشخصية بالضرورة؛ وهذا يتيح التدخل المهني عبر أدوار متعددة: الممكِّن، والمدافع، والوسيط بين الفرد والموارد المجتمعية. كما تُدرَّس المشكلات الاجتماعية في الخدمة الاجتماعية ضمن مقررات تربط بين النظرية والتطبيق الميداني.

والتكامل بين هذه الحقول يعني أن الحكم على سلوك ما بأنه “مشكلة قابلة للتعميم” لا يُترك للمنصات أو للمشاهدات، بل يمر عبر ثلاث مسارات : التحقق السوسيولوجي من كونه مشكلة اجتماعية لا فردية، والتفسير النفسي لدوافع نشرها وتضخيمها، والتقييم المهني لاحتمالات التدخل والوقاية. فإذا كانت الوسائط في آخر تناولها للمشكلات تُنبّه إليها أسرع من غيرها، فإن هذا التنبيه السريع لا يُغني عن المعالجة المتأنية؛ فالسرعة في الرصد شيء، والسرعة في الحكم والنشر شيء آخر خطير.

لذلك، فإن تناول تلك المشكلات والظواهر عبر وسائط التواصل الاجتماعي ينبغي أن يتم بالاستعانة بالمتخصصين أو استشارتهم؛ وإلا تحوّل الغرض إلى مجرد صناعة “ترند” وزيادة المشاهدات وتحصيل المال، على حساب صورة الوطن والمواطن، بما يحد من حركته وتأثيره وقدرته على التغيير في المستقبل. وعليه، تظل دراسة المشكلات والظواهر مجالاً مهنياً وأكاديمياً يختص به الباحثون المتخصصون في المجالات المعنية.

 

أستاذ علم الاجتماع بالجامعات السودانية

altaghyeer.info