خبر ⁄سياسي

الكادر الدبلوماسى بين المهنية والوطنية

نشر:آخر تحديث:

 

الكادر الدبلوماسى بين المهنية والوطنية

مها سعيد

فى مثل هذا التاريخ قبل خمسة اعوام إنحازت الدبلوماسية السودانية بكل قوتها المهنية للوطن, ملتزمة بقسم الولاء للسودان وخدمة مصالح شعبه العليا, وهو قسم لو تعلمون عظيم, يحمل فى مضمون نصّه الصيغة التكاملية لمفهومىّ الوطنية والمهنية ويلزم بحفظ التوازن بينهما, خاصة وان مسيرة العمل الدبلوماسى تواجه احيانا مواقف مفصلية, يواجه فيها الدبلوماسى صراع حاد ما بين المهنية البراغماتية والوطنية بمفهومها العاطفى السائد فى وطنه. وهو ما يعرف فى الاوساط الدبلوماسية العالمية, بمشكلة الصراع بين الولاء للحقائق والمهنية الدبلوماسية من جهة, والولاء الاعمى لسياسات السلطة الحاكمة من جهة أخرى.

فالفصل بين المهنية والوطنية أو تغليب إحداهما على الأخرى بشكل مطلق, يؤدى الى خلل بنيوى فى السياسة الخارجية, فالاستناد على الوطنية وحدها, والولاء لها دون كفاءة مهنية ليس من نتائجه الواضحة سوى دبلوماسية عاطفية, تفتقر الى أدوات الإقناع والآليات القانونية والسياسية اللازمة لتحقيق أهداف السياسة الخارجية, ويكون من تبعاتها خسارة الحلفاء وسؤ إدارة الأزمات. بالمقابل فإن التركيز والتمسك بالمهنية الجافة ومعزولة عن الحس الوطنى, تحوّل الدبوماسى الى مجرد موظف بيروقراطى, يفتقر الى الحّس الوطنى والإلتزام الأخلاقي تجاه قضايا أمّته. فالمهنية تمنح الدبلوماسى الوسائل والادوات بينما تحدد الوطنية الغايات والإتجاهات, والدبلوماسية الناجحة هى التى تتحدث بلغة العصر والقانون والمنطق المهنى, ولكن بقلب ينبض بالولاء والانتماء للوطن.

فهل ياترى أخلّت الدبلوماسية السودانية بهذا التوازن فى مذكرتها الممهورة فى 26 أكتوبر ومنشورة فى 28 أكتوبر 2021 ؟ وهل خطر ببال أحد ما الذى دعى السفراء والدبلوماسيين لهذه الوقفة الجماعية فى وجه الإنقلاب وبتلك السرعة؟ خاصة وان إنقلاب 25 اكتوبر لم يكن الأول فى تاريخ دولة, تحتل أعلى مرتبة وبجدارة فى قائمة الإنقلابات العسكرية فى القارة الافريقية, وهى دولة من أبرز سماتها السياسية عدم الإستقرار السياسى وتدخل العسكر فى السياسة.

فالاجابة المباشرة على هذه التساؤلات تتلخص ببساطة فى أن الموقعين على المذكرة ليسوا دبلوماسىّ دولة اجنبية, حتى ينسلخوا عن قضايا الوطن وتطلعات شعبه الذى يمثلونه فى المحافل الدولية, ولا مكان هنا للحياد المهنى كعذر او تبرير لعدم ترجيح كفة الوطنية. فالمذكرة التى أصدرها السفراء والدبلوماسيين لم تكن مستندةً على وطنية عاطفية فقط, ولكنها كانت صادرة من منطلق التوازن بين الوطنية والمهنية المطلوب وملزم فى أداء هذه المهنة, وهو التوازن الذى اعادته ثورة ديسمبر الى هذه الوزارة السيادية, التى تم تهميشها لعقود من الزمان مع سبق الإصرار والترصد, وفقدت بذلك السياسة الخارجية بوصلة الحياد والتوازن, الى حد تصنيف البلاد دولة راعية للإرهاب فكانت العقوبات والعزلة عن المجتمع الدولى, وكسبنا عداوة الجيران بسبب التدخل فى شؤونهم الداخلية, فردوا لنا فى عدة مواقف الصاع صاعين, ولم نخسر حسن الجوار فقط بل فقدنا احيانا جزء عزيز من أرض الوطن وسيادته.

كانت الفترة الانتقالية (بخيرها وشرها) بالنسبة لوزارة الخارجية , هى فترة فتح دفتر حضور جديد لسياسة السودان الخارجية, وكانت فترة لصياغة أهداف وغايات تُلحقنا بركب الامم, ورسالة ومبادئ تعكس وجه جديد ومعافى للسودان, تُضمّن فى إستراتيجية شاملة ومتكاملة للسياسة الخارجية, إستغرق العمل فيها أكثر من نصف عام, ووصل العمل فيها مرحلة عرضها على كافة فئات وكيانات الشعب السودانى ليقول كلمته فيها, عبر ورش عمل تُختتم بمؤتمر قومى للسياسة الخارجية. أفلحت الفترة الإنتقالية فى إزالة اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب ورفع العقوبات وأعادته الى احضان المجتمع الدولى, فكسبنا الأصدقاء والشركاء لدعم الاقتصاد والتنمية, وواجهت الوزارة التحدى الكبير للحاق بركب القضايا الدولية التى تمس السودان ومصالحه العليا, والتى كاد ان يفوتنا قطارها بالتهميش وعدم المبالاة بمصالح الوطن فى سنوات ما قبل الإنتقال, كأمن البحر الأحمر وخليج عدن, وأزمة سد النهضة, وكيفية خلق علاقات خارجية متوازنة تخدم مصالح السودان, ومشاكل ترسيم الحدود مع دول الجوار وتأمين الحدود من التهريب, وكيفية تنشيط وتعضيد عضويتنا فى المنظمات الاقليمية الافريقية, و البحث عن السبيل الى تموضعنا الفاعل والرائد فى محيطنا الإفريقى والعربى كجسر استراتيجى بين العالمين, وقد حظى السودان برئاسة منظمة الإيقاد فى الفترة الانتقالية, فى حين انه كان قد حُرم من رئاسة الاتحاد الإفريقى, بالرغم من استضافته لقمته فى حقبة ما قبل الثورة, بسبب السياسة الخارجية, وكان هذا قليل من كثير لنفض غبار القبح والتهميش والجمود بسبب فقدان البوصلة فى سياستنا الخارجية.

فلاغرو ان تأتى مذكرة الدبلوماسية السودانية سريعاً ومفعمة بالوطنية التى هى الغاية والإتجاه, وكانت المهنية هى الدافع لتلافى مغبّة الخسائر الفادحة التى سوف يتحملها الوطن وشعبنا, ولم يكن غائباً عن الأذهان مبادىئ الاتحاد الإفريقى, ومن خلفه منظماته الاقليمية التى كنا نسعى للتموضع فيها بسمو وشموخ, والتى ترفض التغيير غير الدستورى لعدم شرعيته, وقد نفذ الاتحاد الإفريقى عقوبتة بتجميد عضويتنا وطالب بالعودة الى الوثيقة الدستورية. وكان من تبعات المذكرة قرارات إعفاء عدد من السفراء رؤساء البعثات الخارجية والدبلوماسيين العاملين بها, بالإضافة الى قرار إعفاء من هم برئاسة الوزارة, ومعظمهم من السفراء الذين يشكلون فعلياً القيادة المهنية التنفيذية للوزارة, ولم ينفذ هذا القرار لأنه كان يعنى الشلل التام للوزارة خاصة فى غياب وجود قيادة سياسية لها والفشل فى تشكيل حكومة بديلة للتى تم حلها. كانت ردة فعل بعض الدول عدم الإعتراف بقرار الإعفاء لعدم اعترافها بسلطة الإنقلاب, ولمخالفة القرار لإتفاقية فيينا للبروتوكول الدبلوماسى.

فالمذكرة لم تكن الوسيلة الوحيدة التى استخدمتها الدبلوماسية السودانية للتعبير عن الاعتراض على التغيير غير الدستورى, بل أُردف بإضراب الموقعين عليها فى رئاسة الوزارة. وقد حتمت الظروف التى سادت بعد الإنقلاب رفع الإضراب, حيث كان الفشل فى تشكيل جهاز تنيفذى ليدير شؤون البلاد, وكان اللجوء لتعيين وكلاء وزارات مكلفين غير مفوضين, كوسيلة تواصل بين الجهاز المدنى والجهاز العسكرى للقيام ببعض مهام الجهاز التنفيذى للدولة. كانت العودة الى الوزارة محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من مجهودات بُزلت لتحقيق سياسة خارجية تخدم مصالح الوطن وتشرّف شعبه, بل وكانت هناك ضرورة ملحّة لمراجعة الخلل فى العمل الديوانى نفسه, حيث الفهم الخاطىء حتى لصيغ القرارات الصادرة من القائد الأعلى للقوات المسلحة, والتى تذكر بوضوح إعفاء السفير من مهمته كممثل للسودان لدى دولة التمثيل, ويتم تنفيذ ذلك القراربفصل السفير من الخدمة بوزارة الخارجية, وعلى ذلك يمكن قياس أهمية العودة الى العمل.

إتُهم الدبلوماسيون الموقعون على المذكرة من داخل وخارج الوزارة بان موقفهم من الانقلاب كان عملا سياسيا تجاوز مبدأ الحياد المهنى, واغلب الظن, ان ذلك الإتهام إستند على حقيقة ان موقف الدبلوماسية السودانية منه كان الاول فى تاريخ الخارجية السودانية, ولكنه ليس الاول فى عالم العمل الدبلوماسى, فقد سبقتنا فى ذلك ليبيا وسوريا ومصر فى ثورات الربيع العربى, بل ولم تسلم حتى الولايات المتحدة الامريكية من معارضة الدبلوماسية الامريكية لقرارات الادارة الامريكية, فقد اعترضت الدبلوماسية الامريكية فى 2003 على حرب العراق لعدم قانونيتها, واعترضت على الادارة الامريكية فى ازمة غزة 2023-2024 لعدم انسانيتها بقرار دعمها لإسرائيل, وشهدت فى 2017 توقيع ألف دبلوماسى وموظف بالخارجية الامريكية فى مذكرة ضد قرارات الادارة الامريكية الرامية الى حظر مواطنى دول اسلامية من دخول الولايات المتحدة.

فهل يشكل موقف الدبلوماسية السودانية من إنقلاب 25 أكتوبر نشاذاً أو إستثناءً؟ أم ان المبدأ هو أن يظل الدبلوماسى ممثلاً للدولة ككيان دائم مستمر, وليس للحكومة كمتغير سياسى! أم ان ذلك الإتهام إستند على الفهم الخاطىء بان الدولة هى الحكومة نفسها, وإن أىّ اعتراض على سياستها يعتبر عمل سياسى أو نقابى ضد الدولة !

لقد أقسمنا للدولة ككيان دائم مستمر, وإنحزنا لإرادة الشعب كمكون أساسي للدولة, والذى هو السطلة المطلقة فيها. فعندما تتجاوز الإدارة السياسية للدولة القانون الدولى, أو تعمل ضد رغبة شعبها, أو ضد المصلحة العليا للبلاد, فلا مكان هنا للحديث عن مبدأ الحياد المهنى. فإلانقلاب لايملك الشرعية السياسية, لأنه غير دستورى, ولأنه غير مقبول داخلياً ولم يعترف به دولياً, وهذا ما استشرفته المهنية الدبلوماسية من تبعات ترتبط إرتباط وثيق ومباشر بالشرعية السياسية, والتى هى الضمان لإستمرارية السياسة الخارجية والكفاءة الدبلوماسية للدولة. والحياد المهنى يلزم الدبلوماسية بعدم ممارسة العمل السياسى, وليس عدم التصدى لسياسات لاتصب فى مصلحة الوطن, وذات المبدأ يمنع القوات المسلحة من العمل السياسى, لأننا مؤسسات سيادية, تتبع للكيان الدائم الذى يحدد واجباتنا ومهامهنا. فلو كانت القوات المسلحة إلتزمت بالحياد المهنى, لكان مجالها غير مجال التدخل فى السياسة, ولكان من واجباتها إستخدام العنف والقوة التى تملكها فى الدفاع عن الوطن وسيادته , وليس للإستيلاء على السلطة والإستعلاء على إرادة شعبها, فالشعب يا قواتنا المسلحة هو من مكونات الكيان الدائم المستمر وهو السلطة المطلقة فيه, والدولة ليست فقط مساحة جغرافية على خريطة العالم, وإلا فما هو مبرر وجودكم ؟!

المجد والخلود لشهداء الثورة ، والمجد لإرادة الشعب فى الحكم المدنى والتحول الديموقراطى…

 

السفيرة مها سعيد

altaghyeer.info