خبر ⁄سياسي

بركة ساكن.. سقوط القناع أم امتحان الموقف

نشر:آخر تحديث:

بركة ساكن.. سقوط القناع أم امتحان الموقف؟

أحمد عثمان جبريل

❝أخطر ما يصيب المثقف أن تظل كلماته واقفةً في خندق، بينما يمضي موقفه إلى خندقٍ آخر؛ فتُصبح الكتابة شاهداً عليه، لا شفيعاً له.❞

في غزوة تبوك، تخلف كعب بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم عاد من يملك الأعذار الكاذبة ليصنع لنفسه مخرجاً، أما كعب فقد اختار الصدق، واعترف بما وقع منه، وتحمل عاقبة موقفه حتى جاء الفرج من الله.. لم ينقذه بريق الكلام، ولم تستره البلاغة؛ أنقذه صدق المواجهة مع الحقيقة.. في حكاية كعب درسٌ يتجاوز زمنها في أن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يقوله عن نفسه، وإنما بما يصمد عليه عندما يصبح الموقف امتحاناً مكلفاً.

وهنا نفتح دفتر المساءلة، لا لنحاكم روايةً في محكمة السياسة، ولا لنصادر حق كاتب في اختيار موقعه، بل لنضع الكلمات القديمة أمام الموقف الجديد، ونترك للقارئ أن يرى المسافة بينهما.

(1)

عبد العزيز بركة ساكن، الذي وصل أمس الأربعاء إلى الخرطوم عضواً في لجنة تهيئة الحوار السوداني–السوداني، وفق ما أعلنته وكالة السودان للأنباء .. من حقه أن يختار موقعه، ومن حقنا أن نسأل عن معنى هذا الاختيار، وعن المسافة بين ما كتبته وما يفعله.  فالاسم الذي صنعته الرواية لا يتحول إلى حصانة سياسية، والكاتب الذي واجه الرقيب لا يصبح فوق رقابة الرأي العام.. لقد دخل بركة ساكن ميداناً تتشابك فيه المصالح والذاكرة والدماء، فلا تكفي النيات المعلنة لتبديد الشكوك، ولا يكفي رفع راية الحوار لإثبات أن الطريق يقود إلى السلام .. ليأتي السؤال هنا، ليس: هل الحوار مطلوب؟ بل: أيُّ حوار، ولمن، وبأي ضمانات، وعلى حساب مَن؟

(2)

في (الجنقو: مسامير الأرض) ذهب بركة، إلى العمال الموسميين.. إلى أجساد تطحنها الأعمال الشاقة، وأحلام تستهلكها الحاجة، وبشر يطاردون لقمة العيش في أرض لا تمنحهم من ثمارها قدر ما يبذلون. وقد شرح بركة معاناته في أنه عاش قريباً من عالمهم، وتأمل الظلم الذي يحيط بهم ومصائرهم الاجتماعية والاقتصادية.. هكذا صار المهمشون مادةً حيةً في مشروعه الروائي، وصارت معاناتهم أكثر من خلفية للأحداث.. ليصبح بركة ساكن سؤالاً عن نظام ينتفع من عرقهم.. ثم ها هو يتركهم على هامش الحياة خلفه.. فماذا عنهم الآن؟ أين أصوات الذين لا يملكون مقاعد في اللجان، ولا منابر في المؤتمرات، ولا وسطاء يتحدثون باسمهم؟ هل سيدخل معه آلامهم إلى طاولة الحوار، أم تبقى في الرواية، محفوظةً بين دفتي كتاب، بينما يتقاسم أصحاب النفوذ رسم مستقبل البلاد؟

(3)

المفارقة أن الكاتب الذي منح الهامش حق الحضور في السرد، مطالب اليوم بأن يوضح كيف سيمنحه حق التأثير في السياسة.. فالتمثيل الشكلي لا يصنع عدالة، وجمع الأسماء حول طاولة لا يعني أن ميزان القوة قد اعتدل.. من يضمن ألا يتحول الحوار إلى مظلة تمنح الشرعية لمن يملكون السلاح والسلطة، فيما يُطلب من الضحايا الانتظار؟.. من يضمن ألا تُرحَّل العدالة إلى أجل مجهول باسم الأولويات؟ ومن يضمن أن تكون للمدنيين، ولأسر القتلى والنازحين واللاجئين، وللمناطق التي دفعت أثمان الحروب، كلمةٌ نافذة لا مجرد شهادةٍ عابرة؟..

هذه أسئلة صريحة، لا تُجاب بعبارة (حوار شامل) وحدها. وإذا كان بركة ساكن منحازاً، كما يقول، للإنسان السوداني، فالمعيار أن يظهر هذا الانحياز في قواعد المشاركة، وفي حماية الحقوق، وفي رفض إعادة تدوير الأزمة تحت أسماء جديدة.

(4)

ثم نأتي إلى الشيطان الذي استدعاه بركة ساكن في خطابه الأدبي؛ ذلك الرفيق الرمزي الذي تحدث عنه بإعتباره معيناً له على مقاومة مكر البشر وشرورهم، وقادراً على قول ما لا يُقال.. لقد أثارت هذه الصورة فضول القراء، وقرأها بعضهم بإعتبارها تمرداً على الخوف والسلطة.. لكن البلاغة، مهما أضاءت، لا تعفي صاحبها من امتحان الواقع.. والسؤال هنا: ما الذي سيقوله رفيقك الأدبي عن لجنة لا تُعرف بعدُ حدود قدرتها على ضمان تمثيل المتضررين؟ وأيُّ كلامٍ لا يُقال ينبغي أن يُقال الآن: كلام عن شروط العدالة، وعن محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وعن مدنية الدولة، وعن وقف الحرب من دون منح أحد صكَّ براءة؟.. إننا لا نطلب من بركة ساكن أن يتخلى عن المجاز، بل أن يمنع المجاز من أن تصبح ستاراً يحجب الأسئلة الثقيلة.. فالشيطان في الرواية لا يمنح صاحبه صكَّ صدقٍ في السياسة، كما أن الجرأة في الخيال لا تثبت وحدها شجاعة الموقف.

(5)

وفي مقابل هذه الأسئلة، نضع تصريحا لبركة نشر عبر وكالة السودان للأنباء في 13 أكتوبر، حيث ربط استمرار الحروب بغياب الحوار الشامل، وتحدث عن العدالة والديمقراطية والحكم المدني، وقال إن مهمة اللجنة تهيئة الظروف لجمع الفرقاء، وإن تحديد مستقبل البلاد مسؤولية السودانيين أنفسهم..

هذا الكلامٌ يمكن مساءلته بمعاييره هو.. فمن هم الفرقاء الذين سيُجمعون؟ وكيف تُمنع القوى المسلحة من احتكار القرار؟ وهل تشمل التهيئة ضمان حرية التنظيم والتعبير، واستقلال القضاء، ومحاسبة مرتكبي الجرائم، وعدم الإفلات من العقاب؟ وما موقفك إذا استُخدم اسمك الأدبي لتجميل مسارٍ لا يحقق هذه الشروط؟..

إن عضوية اللجنة تمنح بركة ساكن منصةً، لكنها تضع على كتفيه عبئاً إضافياً: أن يشرح للناس ما تستطيع اللجنة فعله، وما تعجز عنه، وما ستفعله إذا انحرفت المهمة عن أهدافها المعلنة.

(6)

إننا لا نملك وثيقةً تثبت أن بركة ساكن تنازل عن مبادئه، ولا يجوز أن نحول الشك إلى إدانة مكتملة قبل أن تتضح الوقائع.. لكننا نملك حق السؤال، ونملك أن نقول إن قبول المهمة يفتح باباً واسعاً للمساءلة، خصوصاً لكاتبٍ ارتبط اسمه بقضايا التهميش ومقاومة الرقابة.. وإذا كانت اللجنة مجرد ميسّر للحوار، كما شرحتَ، فليكن أول واجبٍ لها نشر شروط عملها، ومعايير اختيار المشاركين، وضمانات استقلالها، وحدود علاقتها بالسلطة القائمة، وآليات إعلان نتائجها للرأي العام.. وليكن لبركة ساكن موقفٌ واضح من أي محاولة لإقصاء القوى المدنية، أو تهميش الضحايا أو تجاوز العدالة.. أما أن يبقى كل شيء رهين الوعود، ثم يُطلب من الناس أن يمنحوا الثقة سلفاً، فذلك قلبٌ لمعنى المساءلة: الثقة تُبنى بالشفافية، ولا تُستخرج من شهرة الأسماء.

(7)

إننا لا نخاصم بركة الروائي، ولا ننكر أثر رواياته، ولا نمحو تاريخاً أدبياً لمجرد اختلافنا مع قرارٍ سياسي. لكننا نرفض أن تتحول المنجزات الأدبية إلى درعٍ يصد الأسئلة، أو أن تُستعمل معاناة المهمشين رصيداً رمزياً لا يقابله التزامٌ عملي بحقوقهم.. المواقف العامة ليست فصولاً روائية يستطيع صاحبها أن يترك نهايتها مفتوحة بلا حساب؛ إنها اختيارات تمس حياة الناس، وتستحق الوضوح.

لذلك نضع أمام بركة ساكن مرآة كلماته: إن كان الحوار بوابةً إلى حكمٍ مدني وعدالة ومحاسبة وسلام مستدام، فاكشف شروط ذلك وادفع في اتجاهه.. وإن كان عاجزاً عن بلوغ هذه الغايات، فعليه أن يقول ذلك للناس بلا زخرفة.. لا نطالبه بترديد ما نريد، بل بأن يجعل موقفه قابلاً للفحص، وأن تتحمل مسؤولية اختيارك كما يتحملها كل من يتصدر الشأن العام.

# مطر_الحصو

الكاتب لا يسقط لمجرد أنه دخل لجنةً، ولا ينجو لمجرد أنه كتب روايةً أثنى عليها الناس وصفقوا؛ الامتحان في ما يفعله داخلها، وما يقوله خارجها، وما يرفض أن يُمرَّر باسم الحوار.

#ومضة:

قد ترفع الرواية صوت المهمشين، لكن التاريخ يسأل الكاتب: هل حملتَ صوتهم إلى القرار، أم تركتَه حبيس الصفحات؟

# توقيع_أفق الحرف..

أفق يترفق باتساعه ليقول :الحق أبلج، والمواقف تُوزن بالأفعال، والحرية لا تمنح أحداً حصانةً من السؤال.. ومن اختار الوقوف في ساحة الشأن العام، فليقبل أن تقف كلماته إلى جوار أفعاله تحت ضوء المساءلة.

إنا لله ياخ..

الله غالب.

altaghyeer.info