إرث الخديعة السياسية.. هل تضمن المناورات وجوائز الترضية بقاء نتنياهو

رسمت النتائج الأولية لانتخابات الكنيست الإسرائيلي ملامح انسداد سياسي أمام خريطة القوى والأحزاب؛ فمع فرز نحو 90% من الأصوات استقر معسكر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عند 53 مقعدا، متقدما على معسكر المعارضة بقيادة رئيس أركان الجيش الأسبق غادي آيزنكوت الذي حصد 48 مقعدا. وبذلك يعجز المعسكران المتنافسان عن ملامسة عتبة الأغلبية البرلمانية المطلوبة (61 مقعدا) لتشكيل حكومة أغلبية، ومن ثم تتحول النتائج إلى ساحة استنزاف ترتهن لمساومات تجرى بالكواليس.
وتؤكد السوابق السياسية في إسرائيل أن ما تفرزه الصناديق لا يعدو كونه مسودة قابلة لإعادة التشكيل والتفكيك في سوق الائتلافات؛ فطالما شهدت الساحة السياسية تقلبات وانتقالات لافتة لمرشحين وكتل بين ضفاف التحالفات، نتيجة مناورات اللحظة الأخيرة وعروض "جوائز الترضية " والحقائب الوزارية السيادية التي تُبذل لاستمالة المترددين واقتناص المقاعد المتممة للأغلبية.
قصص مقترحة
list of 2 itemsوتبرز التجربة التاريخية لنتنياهو نفسه بوصفه مهندس هذه التكتيكات بامتياز؛ ولعل الشاهد الأبرز يتجلى في مناورته الشهيرة مع بيني غانتس عام 2020، حين أبرم معه اتفاق ائتلاف يقضي بالتناوب على رئاسة الحكومة، لكنه سرعان ما انقلب عليه وعطل الموازنة العامة، ليفكك الحكومة من دون أن يتيح لغانتس تسلم الحكومة، في سابقة رسخت مفهوما سياسيا يقوم على استدراج الخصوم وتفكيك قواهم تمهيدا للتخلص منهم.
وفي مقابلات مع الجزيرة نت، تلتقي قراءات خبراء في الشأن الإسرائيلي على أن هذا الرصيد الحافل بالمناورة يمثل اليوم نقطة ضعف بقدر ما كان ورقة قوة؛ إذ أضحى شبح "الغدر السياسي " حاجزا نفسيا وسياسيا يحول دون تجاوب قادة المعارضة مع أي عروض يقدمها نتنياهو.
وتتعمق هذه التعقيدات في ظل معطيات المشهد الراهن التي تعكس رغبة حثيثة من الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترمب في تجنب جولة انتخابات مكررة قد تشتت المجهود المشترك، وتفضيل واشنطن لحكومة وحدة وطنية مستقرة تؤمّن اصطفافا متماسكا في ظل سخونة الجبهات الإقليمية والمواجهة المفتوحة مع إيران.
إعلانوفي هذا التقرير نحاول أن نطرح جملة من التساؤلات التي يجيب عنها الخبراء: فهل ينجح نتنياهو في ابتكار مناورة تفكك طوق المعارضة أم أن جوائز الترضية فقدت بريقها أمام عقدة انعدام الثقة؟ وما السيناريوهات الواقعية التي تحكم ولادة الحكومة المرتقبة؟ وإلى أي مدى ستلعب ضغوط واشنطن والحروب المشتعلة في الإقليم دورا حاسما في عقد صفقات اللحظة الأخيرة؟
إرث الخديعة السياسية
يقوم النهج التفاوضي لنتنياهو تاريخيا على مبدأ "فرّق تسد "، عبر استدراج الخصوم بوعود المشاركة وتوزيع الحقائب الكبرى، ثم الانقلاب عليهم بمجرد استنفاد وظيفتهم السياسية؛ وهو تكتيك مكّنه من التحول إلى أطول رؤساء الحكومات بقاء في السلطة، متجاوزا مؤسس دولة الاحتلال ديفيد بن غوريون، لكنه في سبيل ذلك خلف وراءه حقلا من الألغام وفقدانا للمصداقية السياسية.
وفي تشخيصه لجذور هذه التكتيكات، يوضح مدير برنامج دراسات إسرائيل في مركز مدى الكرمل الدكتور إمطانس شحادة أن سلوك نتنياهو السياسي لم يعرف يوما التزاما بأي مبدأ تجاه شركائه.
وفي تصريحاته للجزيرة نت، يستحضر شحادة سوابق تاريخية تشير إلى ذلك:
- ائتلاف 2013: حين تحالف نتنياهو مع يائير لبيد ونفتالي بينيت بعد خوضه الانتخابات بقائمة مشتركة مع حزب "إسرائيل بيتنا " بزعامة أفيغدور ليبرمان، قبل أن ينفرط عقد هذا التحالف في أقل من عامين لعدم وفائه باستحقاقاته.
- عام 2015: تحوله نحو الأحزاب الدينية الحريدية واليمين التقليدي بعد استخلاص العبر من تجربة 2013 لتثبيت أركان حكمه.
- انقلاب 2020 على غانتس: إبرامه تحالف المناصفة مع بيني غانتس مع قرار مسبق ومبيّت بألا يتجاوز عمر هذا الاتفاق عاما واحدا، مما أجهض مبدأ التناوب عبر التلاعب بإقرار الموازنة العامة.
- انهيار الأحزاب الشريكة: إدراك قادة المعارضة اليوم، لا سيما آيزنكوت، قاعدة تاريخية ثابتة تفيد بأن كل حزب معارض قبِل الدخول في شراكة مع نتنياهو كتب بيده شهادة وفاته السياسية وتآكل مشروعه وقاعدته الجماهيرية.
ولا يبتعد عن ذلك كثيرا المحلل السياسي والإعلامي الإسرائيلي يوآف شتيرن، إذ يرى أن التجربة المريرة التي عاشها بيني غانتس عام 2020 أسست لمفهوم "التسوية غير القابلة للتطبيق "؛ إذ تم ابتداع صيغة التناوب الرئاسي حكوميا لأول مرة في تاريخ إسرائيل، لكن نتنياهو رفض تسليم المنصب عند حلول الأجل المحدد، مما أجبر غانتس على الاستقالة ونسف الفكرة من أساسها.
ويؤكد شتيرن -في تصريحاته للجزيرة نت- أن هذه الحادثة تقف اليوم سدا مانعا في ذاكرة كل مفاوض من معسكر المعارضة؛ إذ لا يوجد زعيم سياسي واحد يثق بأن نتنياهو قد ينفذ تعهداته أو يتخلى طوعا عن كرسي رئاسة الحكومة.
ومن زاوية تحليلية، يصف مدير المؤسسة الوطنية الفلسطينية للإعلام إبراهيم المدهون سلوك نتنياهو بأنه صنيعة براعة فائقة في تحويل الأزمات الوجودية إلى فرص للبقاء؛ مستشهدا بنموذج علاقته المعقدة بأفيغدور ليبرمان الذي سلمه وزارة الدفاع لترويضه، ثم دخل معه في صدام وتوتر حاد أفضى إلى استقالته عام 2018 وتحوله إلى خصم لدود.
إعلانوفي مقابلته مع الجزيرة نت، يخلص المدهون إلى أن إتقان نتنياهو الضربات الالتفافية وإعادة هندسة التكتلات بات يصطدم اليوم بجبهة معارضة عريضة تجمع نقيضين من أقصى اليمين إلى القوائم العربية، وهؤلاء يوحدهم هدف واحد هو التخلص من سطوة نتنياهو بعدما خبروا جميعا تكلفة التحالف معه.
جوائز الترضية ومسارات الصفقات
تضع النتائج المعلنة حتى الآن بعد فرز نحو 90% من الأصوات الخريطة الحزبية في إسرائيل أمام استعصاء حسابي وسياسي مركب؛ فاستقرار معسكر نتنياهو عند 53 مقعدا يتركه عاجزا عن بلوغ عتبة الأغلبية (61 مقعدا من أصل 120)، في حين يقف معسكر المعارضة بقيادة آيزنكوت عند 48 مقعدا، لتبقى القائمتان العربيتان بحصتهما البالغة 19 مقعدا بمثابة "رمانة الميزان " التي يصطدم توظيفها في حساب الصفقات بجدران "فيتو " الأيديولوجية الصهيونية التي تمنع التحالف مع أي قائمة عربية.
ومع هذه الأزمة التي تجعل المقاعد المتبقية سلعة غالية الثمن في "بازار الائتلافات "، تتوزع تقديرات المحللين لمآلات معضلة النتائج الحالية بين 5 مسارات وسيناريوهات رئيسية، كما يراها خبراء الشأن الإسرائيلي في حديثهم للجزيرة نت:
- بقاء حكومة تصريف الأعمال وتجميد المشهد:
يعد هذا الخيار الأقرب للواقع في المدى المنظور؛ إذ يتيح لنتنياهو الاستفادة من حالة الانسداد السياسي للاستمرار رئيسا لحكومة تسيير الأعمال لأشهر طويلة، مستثمرا إدارة الملفات الأمنية الملحة في غزة والمواجهة مع إيران لترسيخ حضوره في ظل غياب البديل الجاهز، مما يوفر له العمل بحرية تامة، مراهنا على أن تمنحه جولة انتخابات مقبلة ظروفا انتخابية أفضل من الوضع الحالي. - حكومة وحدة (نتنياهو-آيزنكوت):
يقوم هذا المسار على إبرام تسوية بين المعسكرين تفضي إلى إقصاء أقطاب اليمين المتطرف، لا سيما بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير. لكن هذا الطرح يصطدم بعقبتين: عمق الخلافات الشخصية والسياسية بين الرجلين، وصعوبة تخلي نتنياهو عن نواة قاعدته الشعبية اليمينية الاستيطانية الصلبة المسلحة في الضفة الغربية والتي قد تشعل فوضى واسعة إذا تم استبعادها. - حكومة أقلية مؤقتة بقيادة آيزنكوت:
يطرح سيناريو تشكيل حكومة أقلية برئاسة غادي آيزنكوت تحظى بشبكة أمان ودعم برلماني خارجي من القوائم العربية دون المشاركة في الحقائب الوزارية؛ وتكون مهمتها وظيفية ومحددة زمنيا لتمرير تشريعات عاجلة وحاسمة، مثل: سن قوانين تمنع أي متهم بقضايا جنائية ورشوة من تولي رئاسة الحكومة (لقطع الطريق نهائيا على عودة نتنياهو). تشكيل لجنة تحقيق رسمية كاملة الصلاحيات في إخفاقات 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023. إقرار تشريعات أمنية واقتصادية ملحة، يتبعها حل الكنيست والذهاب لانتخابات جديدة بقواعد سياسية مختلفة. - مناورة اختراق الصفوف:
محاولة نتنياهو اختراق صفوف معسكر آيزنكوت عبر استمالة نواب فرادى أو كتل برلمانية صغيرة بجوائز ترضية مغرية تشمل حقائب سيادية ومواقع متقدمة في صنع القرار. وهنا يراهن نتنياهو على قدرته على إحداث شروخ في صفوف خصومه، غير أن كلفة الانشقاق الآن باتت انتحارا سياسيا؛ فأي حزب أو مرشح يمنح نتنياهو طوق النجاة سيخسر شرعيته ومشروعه السياسي أمام ناخبيه بصورة نهائية. - التحالف مع العرب:
لا تملك المعارضة بقيادة آيزنكوت حتى مع القائمة الموحدة أغلبية 61 مقعدا، وتحتاج حتما إلى دعم تحالف الكتلة العربية، وهو يصطدم بشروط آيزنكوت المتشددة وبـ "فيتو صهيوني مؤسسي " يرفض الاعتماد على الصوت العربي في تشكيل حكومة مستقرة.
ضغوط ترمب
ألقت واشنطن بثقلها على مسار العملية السياسية الإسرائيلية منذ انطلاق الحملات الانتخابية، وسط رغبة معلنة من الرئيس الأمريكي في حسم هوية القيادة في تل أبيب بما يخدم أجندته الإستراتيجية. وتؤكد تقارير عدة أن الإدارة الأمريكية وجهت رسائل واضحة ومباشرة مفادها عدم الرغبة في رؤية إسرائيل تنزلق إلى جولة انتخابات جديدة تعطل التنسيق الأمني والسياسي المشترك.
إعلانوفي قراءته للمحددات الأمريكية، يؤكد مدير المؤسسة الوطنية الفلسطينية للإعلام أن ترمب يمتلك أسلوبا مغايرا للرؤساء الأمريكيين السابقين؛ إذ يتدخل في أدق تفاصيل الشأن الداخلي والقضائي الإسرائيلي معلنا دعمه لنتنياهو صراحة ومطالبا ببقائه للمساعدة في "إنهاء المهمة " الإقليمية.
ويرى المدهون أن رغبة ترمب الحقيقية تتجه نحو هندسة حكومة وحدة صهيونية تجمع نتنياهو بآيزنكوت وتتخلص من أعباء التطرف التي يمثلها بن غفير وسموتريتش، لكن قدرة ترمب تظل نسبية ومحكومة بحسابات تل أبيب المعقدة، وقد ينقلب تباهيه بالتدخل إلى عامل إعاقة.
ويتوافق هذا التحليل مع ما يطرحه المحلل السياسي الإسرائيلي الذي يؤكد حرص ترمب الشديد على استقرار القيادة الإسرائيلية تحت زعامة نتنياهو شريطة تطعيمها بوجوه عسكرية مقبولة. ويشير شتيرن إلى أن واشنطن تضغط في مسار التسوية -بما في ذلك ما يتردد عن إمكانية عقد لقاء يجمع نتنياهو وآيزنكوت في منتجع "مارالاغو " بفلوريدا– غير أن هذه المساعي تصطدم بجدار انعدام الثقة الصلب بين الأحزاب الإسرائيلية؛ فلا أحد في المعارضة يرى في وعود نتنياهو أرضية صالحة، ولا يمكن لترمب أن يقدم ضمانات نافذة تكفل التزام نتنياهو بتعهداته.
وفي مقابل ذلك، يقلل مدير برنامج دراسات إسرائيل في مركز مدى الكرمل من محورية العامل الأمريكي في تفكيك المأزق الراهن؛ جازما بأن دور ترمب في فرض سيناريو بعينه يظل هامشيا وغير حاسم، بالنظر إلى براعة نتنياهو المعهودة في تسويق أي مسار حكومي يختاره للرئيس الأمريكي وإقناعه بأنه الخيار الأمثل والوحيد لحماية المصالح المشتركة.

توظيف الحروب في عقد الصفقات
تتداخل التفاعلات الحزبية داخل الكنيست بشكل وثيق مع خرائط النار المشتعلة في الشرق الأوسط، حيث تشكل ملفات المواجهة مع إيران والحرب على غزة أو لبنان أدوات مساومة مركزية في التفاوض من أجل تشكيل الحكومة.
- ملف المواجهة الإيرانية واستثمار الطوارئ:
يرى يوآف شتيرن تطابقا جوهريا بين مرشحي المعارضة ونتنياهو إزاء العداء لإيران وإستراتيجية المواجهة الإقليمية.
ويكشف الإعلامي الإسرائيلي عن مناورة محتملة يدرسها نتنياهو تقوم على تعمد المماطلة وتأخير إعلان الحكومة حتى استحقاق انتخابات التجديد النصفي في أمريكا؛ مراهنا على تفجر المواجهة المباشرة مجددا مع إيران لاستثمار أجواء الحرب وحالة التعبئة العامة للضغط على آيزنكوت ولبيد للانضمام إلى حكومة طوارئ حرب برئاسته لا يملكون رفضها تحت وطأة الشعار الأمني.
- الدعاية بالإنجازات العسكرية مقابل النقد الإستراتيجي:
يلفت الدكتور إمطانس شحادة إلى أن ساحات الصراع تحولت إلى منصة ترويج انتخابي؛ حيث استخدم نتنياهو الضربات العسكرية وعمليات الاغتيال للادعاء بتحقيق تفوق أمني كاسح خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة.
وفي المقابل، تحاول المعارضة دحض هذه الرواية بالتشديد على أن نتنياهو فشل في حسم أي جبهة إستراتيجية ولم يحقق نصرا حاسما، مروجة لقدرة جنرالاتها كآيزنكوت على إدارة المعارك بكفاءة عسكرية أعلى.
- آيزنكوت وتبييض الصورة الدولية:
يشير إبراهيم المدهون إلى بعد إستراتيجي عميق داخل المؤسسة الإسرائيلية؛ حيث ترى دوائر أمنية ودبلوماسية مؤثرة أن إشراك آيزنكوت في صدارة الحكومة يمثل بطاقة مرور لتسويق إسرائيل دوليا ومحاولة تبييض صورتها بعد الإدانات الدولية الواسعة والاتهامات بارتكاب جرائم إبادة في غزة وتصاعد حملات عزلها.
ورغم أن رؤية آيزنكوت الأمنية متطابقة مع نتنياهو في رفض إقامة دولة فلسطينية ومحاربة المقاومة، فإن وجهه العسكري المعتدل يُعد أداة ضرورية لإحياء مسارات التطبيع الإقليمي المتعثرة.
وتخلص معطيات النتائج الأولية للانتخابات الإسرائيلية إلى أن نتائج الصناديق لم تكن سوى بوابة لأزمة حكم هيكلية وممتدة؛ فمعسكر نتنياهو مقيد بعجزه عن حيازة الأغلبية وتآكل أدوات مناورته التقليدية، في حين تصطدم المعارضة بانعدام الثقة التي خلفها سجل الوعود المنقوضة وإرث طويل من الخديعة السياسية.
ويشير الأفق المنظور إلى أن السياسة الإسرائيلية تتأرجح بين بقاء نتنياهو طويلا على رأس حكومة تصريف أعمال متحررة من الرقابة، أو الانزلاق الإجباري نحو جولة انتخابات مبكرة مكررة كما حدث عام 2019، ما لم تتدخل تفجيرات الصراع الإقليمية في طهران أو غزة لإجبار الجميع على خلط الأوراق وإعادة تشكيل حكومة ائتلاف تحت عباءة الطوارئ.
إعلانaljazeera.net