خبر ⁄سياسي

خوف في إسرائيل من خطة نتنياهو لبث الفوضى والعنف

نشر:آخر تحديث:
خوف في إسرائيل من خطة نتنياهو لبث الفوضى والعنف

في أعقاب موجة الانتقادات الشديدة التي تعرض لها الرئيس الإسرائيلي، إسحاق هرتسوغ، لتأجيله الإعلان عن المكلف بتشكيل الحكومة إلى يوم الأحد المقبل، وتبريره بأنه يريد العمل على أن تكون الحكومة مستقرة قادرة على مواجهة التحديات الخارجية والشرخ الداخلي، كشفت مصادر في محيطه عن أنه خائف من ردود فعل اليمين الحاكم، الذي يرفض الاعتراف بنتائج الانتخابات، ولذا يتابع (هرتسوغ) التهديدات خشية نشر حالة فوضى وعنف، ما يدفعه لمحاولة تشكيل «حكومة وحدة» تضم كلاً من بنيامين نتنياهو وغادي آيزنكوت.

ويعترض معسكر التغيير، بقيادة آيزنكوت، على هذا التوجه. وفي نظرهم، فقد كان واضحاً أنه في ختام مشاورات هرتسوغ مع الأحزاب، أن آيزنكوت حصل على توصيات أكثرية 67 عضو كنيست، مقابل 46 لرئيس الحكومة نتنياهو. ومع فارق كهذا، واضح مَن المرشح المفضل للحصول على مهمة تكليف حكومة.

بيد أن هرتسوغ رأى، كما صرح، أن «نتائج المشاورات تبدو واضحة، لكن الصلاحية المخولة لي بموجب القانون تتمثل في التحقق من القدرة على تشكيل حكومة، وهذه القدرة ليست واضحة تماماً، في ظل الرفض المتبادل بين المعسكرين وبداخلهما. سأحاول التحقق من هذه القدرة مباشرة وبسرعة، من خلال محادثات شخصية مع بعض قادة الأحزاب».

وقال هرتسوغ: «أعتزم تكليف أحد المرشحين بتشكيل الحكومة، يوم الأحد المقبل، وخلال هذه المحادثات أعتزم قلب كل حجر في محاولة للتوصل إلى مد يد التعاون من أجل تشكيل حكومة مستقرة وجيدة لشعب إسرائيل».

غادي آيزنكوت زعيم حزب «يشار» الإسرائيلي خلال لقاء مع أنصاره عقب إعلان نتائج أولية للانتخابات في 28 أكتوبر الماضي (أ.ف.ب)

هذه الصيغة تثير شبهات آيزنكوت. وقد يراها البعض مجرد استعراض عضلات، يقوم به رؤساء الدولة مرة في كل أربع سنوات. فالمعروف أن الرئيس في إسرائيل هو منصب فخري من دون أي صلاحيات حكم. القوة الوحيدة التي يتمتع بها في منصبه هي أن القانون يخوله بعد كل انتخابات عامة بتكليف أحد النواب لمهمة تشكيل حكومة. والقانون يمنحه صلاحية مطلقة في هذا الاختيار، فهو ليس ملزماً بتكليف رئيس أكبر حزب ولا بتكليف النائب الذي يحظى بأكبر عدد من التوصيات. ولا يمنح أحداً حق الاعتراض على ذلك. لهذا، يستغل الرئيس هذه الفرصة.

وهناك من يراها تعبيراً عن قلق وخوف عند هرتسوغ من التهديدات، التي جاءت من «الليكود» باقتحام الكنيست يوم الثلاثاء المقبل، ومنع الإطاحة برئيسه أمير أوحانا وانتخاب رئيس آخر مكانه. فقد كشفت وسائل الإعلام عن أن مئات من نشطاء اليمين يستعدون للمشاركة في الهجوم، وبعضهم مسلح، وبعضهم باشر التخطيط للتسلل إلى قاعة الكنيست لتفجير الجلسة من الداخل.

إلا أن هناك من يرى أن هرتسوغ قد يريد الذهاب بعيداً في هذه الخطوة، كأن يرمي للتدخل في تركيبة الحكومة. فالمعروف أن حواراً دار بين هرتسوغ والبيت الأبيض في واشنطن حول مقترح تشكيل حكومة وحدة. صاحب المشروع هو الرئيس دونالد ترمب، ويقضي بأن تقام حكومة وحدة يتقاسم فيها نتنياهو وآيزنكوت رئاسة الحكومة؛ في الحقبة الأولى نتنياهو وبعد 18 شهراً يستقيل وينتخب رئيساً للدولة، مكان هرتسوغ الذي ينهي مدته في 7 يوليو (تموز) 2028. ويتولى عندها آيزنكوت رئاسة الحكومة لبقية الدورة (سنتين وثلاثة شهور). وعندما يصبح نتنياهو رئيس دولة تتوقف محاكمته؛ لأن القانون لا يسمح بمحاكمة رئيس دولة. فهذه المحاكمة هي الهم الأساسي عند اليمين الحاكم.

عربية إسرائيلية تُدلي بصوتها في الانتخابات العامة الإسرائيلية بمركز اقتراع بمدينة أم الفحم (أرشيفية - أ.ب)

وقد فسر الأميركيون هذا الموقف على أنه مبني على فكرة إحداث تغيير تاريخي في الشرق الأوسط، بناء على خطة النقاط العشرين للرئيس ترمب حول السلام في الشرق الأوسط. فهذه الخطة تنطوي على خطوات تحتاج من إسرائيل قرارات صعبة جداً. ولكي تتخذ هذه القرارات تحتاج إلى حكومة واسعة وقوية يكون فيها تمثيل كبير لليمين وشخصية قوية في رئاستها.

وتحمس هرتسوغ للمشروع؛ أولاً لأنه أراد أن يحسن علاقاته مع ترمب، الذي وصفه بالعاجز والكذاب والتافه؛ لأنه لم يمنح نتنياهو عفواً يلغي محاكمته بتهم الفساد؛ وثانياً لأنه يريد سد دين لنتنياهو الذي دعمه لمنصب رئيس الدولة. وقد تم إشراك آيزنكوت في مرحلة ما في هذا الحوار، فكان أول رد فعل له هو: «من يضمن أن يصدق نتنياهو ويفي بالوعد. فقد وعد بيني غانتس مرتين بالتبادل ونكث وعده، وجعل منه أضحوكة وحطم شخصيته في الساحة السياسية». وقد دق ترمب على صدره وقال: «أنا أضمن». لكن آيزنكوت لم يقتنع، وعندما أشرك حلفاءه بنيت ولبيد وليبرمان بالفكرة، أجمعوا على رفضها. وعندما بدأت ضغوط عليه من واشنطن ومن هرتسوغ ومن عدة أوساط في إسرائيل نفسها، أعلن آيزنكوت أن الشعب الإسرائيلي هو صاحب القرار في تحديد هوية الحكم وليست جهات خارجية (وكانت هذه لسعة للرئيس ترمب)، وأن الشعب في إسرائيل قرر بوضوح أنه لا يريد أن يرى نتنياهو رئيس حكومة. ويجب احترام إرادته.

امرأة تمر بجوار لافتة تحمل صورة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأميركي دونالد ترمب غداة الانتخابات بالقدس يوم 28 أكتوبر 2026 (رويترز)

لكن هرتسوغ يرى أن نتائج الانتخابات تشير إلى أن الشعب قرر أن تقوم حكومة وحدة، وليست حكومة أقلية، خصوصاً أن آيزنكوت لا يعرف حتى الآن كيف يشرح ماهية هذه الحكومة، . ومعه أفيغدور ليبرمان الذي لا يوافق عليها بعد، ومعه نفتالي بنيت الذي لا يوافق على حكومة تستند إلى الأحزاب العربية، ومثله يقول ليبرمان. فإذا خصمنا 19 نائباً عربياً من 67 يبقى لآيزنكوت 48 نائباً. صحيح أن حكومة كهذه تبقى شرعية بحسب القانون. وما دامت المعارضة لها لا تستطيع تجنيد 61 نائباً ضدها فتظل قائمة.

وقد اهتم هرتسوغ، خلال مشاوراته مع الأحزاب العربية، أن يعرف إلى أي مدى ستقف مع آيزنكوت. فسأل: «لنفترض أن الجيش الإسرائيلي قرر عملية حربية في غزة أو على لبنان فهل ستبقون شبكة أمان للحكومة أو ستنزعون الثقة عنها؟». فأجاب يوسف جبارين، رئيس القائمة المشتركة: «نحن أعلنا أننا سنكون شبكة أمان كقرار استراتيجي لإسقاط حكومة نتنياهو. هذا ما يريده منا الجمهور الذي خرج بكميات هائلة إلى التصويت. فإذا قررنا أن نسقط هذه الحكومة، فهذا يعني أننا نعيد نتنياهو إلى الحكم. وهذا يناقض خطنا الاستراتيجي».

وقد أصدر حزب «يَشار» بياناً عقب كلمة هرتسوغ واختتام مشاورات التوصية لديه، جاء فيه أن رئيسه آيزنكوت «حصل على أغلبية مطلقة من التوصيات لتكليفه بتشكيل الحكومة، وهذا هو العدد الأكبر من الموصين بمرشح لتشكيل الحكومة منذ عام 2015». وأضاف أن «خيار الشعب والأغلبية البرلمانية الواضحة لا يتركان مجالاً للشك: مواطنو إسرائيل اختاروا التغيير، وأعربوا عن عدم ثقة مطلقة برئيس الحكومة المنتهية ولايته بنيامين نتنياهو وحكومته»، وتابع: «نتنياهو هو رئيس حكومة انتقالية، ويحظى بتأييد 46 عضو كنيست فقط. فهو لا يملك تفويضاً ولا أغلبية ولا ثقة الشعب».

نشطاء يمينيون إسرائيليون مؤيدون لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يتظاهرون للمطالبة بانتخابات جديدة في مدينة حيفا بإسرائيل مساء 1 نوفمبر 2026 (إ.ب.أ)

ويعبر هذا البيان عن موقف حاد وحازم ضد أي فكرة للتوجه نحو حكومة وحدة. ويقول مقربون من الحزب إن هناك محادثات متقدمة مع الحزب الحريدي «يهدوت هتوراه» لينضم إلى الائتلاف فيرتفع إلى 55 مقعداً. فإذا أضفنا القائمة العربية الموحدة، التي ستدعم الحكومة من الخارج ضمن اتفاق مشابه لاتفاق سنة 2021، يصبح للحكومة 63 مقعداً. وهذه تعدُّ حكومة مستقرة. ولا مجال لرفض هرتسوغ لها.

أما «الليكود» فيواصل القتال في جبهات متعددة؛ فهو لم يفقد الأمل في حربٍ على إيران تنسف جهود آيزنكوت وتضطره إلى الانضمام لحكومة طوارئ حربية؛ ويخوض معركة شرسة مع رئيس الشباك، ديفيد زيني، لنزع الشرعية عن الأحزاب العربية وحتى عن نتائج الانتخابات برمتها. ويستعد لحرب شوارع ضد الحكومة بنزول ميليشياته لاحتلال الكنيست، وعرقلة جلساته، وللتصعيد في الضفة الغربية، وربما لتنفيذ اعتداءات عنيفة على العرب في الداخل، كما حصل في سنة 2021 وفي مباريات كرة القدم وغيرها.

aawsat.com