خبر ⁄سياسي

سوسيولوجيا الخوف: من أمريكا إلى السودان

نشر:آخر تحديث:

 

سوسيولوجيا الخوف: من أمريكا إلى السودان

د. عبدالناصر علي الفكي
أستاذ جامعي

وصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الصوماليين والمصريين وغيرهم من الجنسيات من الحزب الديمقراطي في السباق الانتخابي بأوصاف تمس الحياة والكرامة والمعتقدات الحياتية والدينية، وهم مرشحون أمريكيون، ورُبطت الأديان (الإسلام) وثقافات وأنماط تراث لشعوب بأكملها بالإرهاب وبغسيل الأموال، وصولاً أيضاً إلى سمات الشخصية. لم يعبّر ذلك حينها عن مشهد انتخابي متنازع، بل عن كشف لبنية أعمق تعيد إنتاج الخوف من الآخر وتحوّل الفعل الثقافي الاجتماعي إلى سلعة في سوق السياسة بما لا يتوافق مع شرف الغاية من الحكم والإدارة.
فالانتخابات الأمريكية لم تُظهر فقط صعود اليمين المتطرف واستخدام الوصم الثقافي والاجتماعي تجاه المهاجرين من أفريقيا والوطن العربي وأمريكا اللاتينية، بل أظهرت أيضاً كيف يصبح التنميط المهني أداة إقصاء جاهزة للاستخدام وقهر الآخر، وكيف يتحول الدعم لغزة وفلسطين إلى تهم تُربط باعتداءات 11 سبتمبر 2001، بل وبـ”حرب أكتوبر” الثانية التي بدأت في السابع من أكتوبر 2023. وهو ليس انفعالاً جماهيرياً عفوياً للقيادة السياسية، وإنما آلية ممنهجة تُوظَّف فيها وسائط التقنية والاتصال لتثبيت التصنيفات المسبقة وإنتاج عدو داخلي (المواطنة) يبرر الإقصاء والعنف الرمزي والمادي.
يصبح السؤال مشروعاً: هل تستطيع إدارة تحمل كل مضامين الازدراء والكراهية تجاه الآخر أن تنزع فتيل صراع ذي طابع إثني وعرقي في السودان؟ الإجابة لا تكتمل دون إدخال رؤية سوسيولوجيا الخوف. فالخوف في هذه الرؤية ليس انفعالاً نفسياً عابراً، بل بنية ثقافية واجتماعية تُصنع وتُدار وتُوظَّف سياسياً، تخلق “آخر” مهدداً يستوجب مواجهته بالعنف بديلاً عن الحوار.
إن صناعة بناء الكراهية تُعاد إنتاجها بوعي ضمن سياقات الصراع على السلطة والنفوذ والثروة، وأن تسييس الإثنية والقبلية يحوّل روابط الدم والنسب من عوامل قبول والتقاء إلى خطوط عداء وصراع، وهو ما يفسر كيف تنتقل الحرب في السودان من المواجهة العسكرية إلى مربع الثقافة الاجتماعية للجماعات المتصارعة. والمهدد أن التصنيف الإثني والعرقي بات يحتل المرتبة الأولى في ترتيب القيم الاجتماعية، يليه الانتماء المناطقي الجهوي، ثم الموقف من الحرب والسلطة تأييداً أو رفضاً، بينما تتقهقر قيمة المواطنة، وهي الأساس، إلى الدرجة الأخيرة، كأنها قيمة فائضة عن الحاجة.
هذه البنية من الخوف الممنهج تفسر أيضاً لماذا يصعب على أي إدارة، مهما بلغت قوتها وهيمنتها، أن تكون وسيطاً أخلاقياً في نزع فتيل الصراع. فالإدارة التي تنتج خطاب كراهية داخلياً، وتستثمر التقنية ووسائل التواصل الاجتماعي الرقمي في صناعة بناء الكراهية، وتجعل العلاقة مع إسرائيل معياراً للعلاقات الدولية بديلاً عن حقوق الإنسان والديمقراطية، لا يمكن أن تقدم للسودان ما تفتقر إليه في بنيتها الداخلية؛ فاقد الشيء لا يعطيه. كما أن الانتخابات النصفية الأمريكية نوفمبر للعام 2026م للكونغرس ومجلس النواب، كشفت عن استمرار هذه البنية في إعادة إنتاج نفسها، إذ تتنافس الإدارات (ترامب) على كسب التأييد عبر خطاب الخوف والتصنيف والإقصاء، بدلاً من معالجة الأسباب العميقة للكراهية والعنف، ولو على مستوى المجتمع الأمريكي وعظم تجربته الديمقراطية ومكتسباتها على المستوى الإنساني. وقد برهن الناخب على ارتفاع الوعي وإفشال تلك السرديات الفجة المنطلقة، ولكن تبقى المشكلة في أن الإدارة تتحكم في السلطة الأمريكية.
والرؤية السوسيولوجية تؤكد أن السلام الحقيقي ليس مجرد غياب للحرب، بل غياب كل مؤثرات الخوف التي تصنع الحرب. ومن ثم فإن أي حل خارجي، مهما توفرت له الضمانات والمساعدات، يبقى منقوصاً إذا لم يتأسس على تفكيك بنى الخوف والكراهية من الداخل السوداني.
لا يعني هذا أن الحل الداخلي يكون بمعزل عن العالم. فالحرب في أبريل 2023 تداخلت فيها عوامل الوكالة الإقليمية والدولية، إلى جانب الدوافع العقائدية والإثنية والاقتصادية، والاستفادة من هشاشة الدولة وفشلها لم تكن بعيدة عن استمرار القتال. ومع ذلك، فإن النقطة المحورية تبقى في قدرة السودانيين على إنتاج نظام دستوري يتوافق مع الثقافة والاجتماع بين الحداثة والموروث، ويوفر الاستقرار، ويتداول السلطة سلمياً، ويعزز المواطنة المتساوية التي تتقدم على الانتماءات الإثنية والجهوية دون أن تنسفها في طريق التطور الثقافي والسياسي.
ويصبح تجفيف منابع العنف الرمزي والمعنوي، قبل المادي، شرطاً لبناء دولة نحو المستقبل، وليس مجرد إيقاف لإطلاق النار. فالتحدي الحقيقي ليس خارجياً، مهما عظم دوره ونفوذه، وإنما داخلي على مستوى مكونات الدولة ومادونها، في القدرة والمهارة الخلاقة على تحويل سوسيولوجيا الخوف من طاقة تدميرية إلى فعل عقلاني محفز نحو عمليات التعاون والتنمية التشاركية والحقوق والواجبات والاعتراف بالآخر، بما يؤدي إلى الانتقال السلس التوافقي من سوسيولوجيا الخوف إلى سوسيولوجيا التعايش.

altaghyeer.info