خبر ⁄سياسي

من قسم الترابي إلى نفي هارون.. هل غادر الكيزان السلطة

نشر:آخر تحديث:

من قسم الترابي إلى نفي هارون.. هل غادر الكيزان السلطة؟

أحمد عثمان جبريل

❝التاريخ لا يغيّر حقائقه بتغيّر المتحدثين، ولا تمحو الذاكرةَ أيمانٌ جديدة.❞

لم تكن قاعة المؤتمرات بوكالة السودان للأنباء، في ذلك النهار، من شهر نوفمبر من العام 1994، مجرد قاعة صحفية تستقبل مؤتمراً عابراً. كانت البلاد كلها تقريباً محشورة في سؤال، وكانت عشرات الصحف المحلية والعالمية ووكالات الأنباء الدولية تنتظر ما سيقوله الرجل الذي جلس على رأس المشهد السياسي، وأمسك بخيوط تنظيم جاء بالإنقاذ إلى الحكم..

كان ذلك الدكتور حسن عبد الله الترابي، عرّاب الجبهة الإسلامية القومية، وزعيم التنظيم الذي أراد أن يقدم نفسه للعالم من خلال المؤتمر الشعبي العالمي، بعد أن أغلق بنفسه أبواب السياسة في وجه الأحزاب السودانية.

كنت في بداياتي المهنية، مراسلاً لصحيفة (الحياة) اللندنية، واحداً من ذلك الحشد الصحفي..

استمعنا إلى حديث طويل عن أهداف المؤتمر الشعبي العالمي، وما يُعدّ له في الخرطوم، ثم فُتح الباب للأسئلة.. طلبت الفرصة، عرّفت بنفسي وصفتي، ووضعت أمام الرجل سؤالاً لم يكن عابراً، ولم يكن يحتمل إجابة مراوغة: (هل تقسم بالله العظيم أن الجبهة الإسلامية القومية التي تتزعمها لا علاقة لها بنظام الحكم القائم في السودان؟)..

توقف المشهد لحظة.. اتجهت الأنظار إلى الترابي، وساد القاعة صمت يشبه حبس الأنفاس.. كان السؤال مباغتاً مباشراً لم يترك للرجل فرصة غير (بلع ريقه) بعد ما وضع الزعيم أمام خيارين: أن يجيب، أو أن يترك الإجابة معلقة أمام الصحافة والعالم.. رفع يده، قائلاً: “أقسم بالله العظيم أن الجبهة الإسلامية التي أتزعمها لا علاقة لها بنظام الحكم في السودان”.

خرج القسم من القاعة، في لمح البصر إلى (عواجل) وكالات الأنباء العالمية، وأخبار القنوات ونشرات الإذاعات، كما دخل عناوين الصحف، وأثار ضجة تجاوزت حدود السودان، ليمتد صداها إلى دوائر التنظيم الإسلامي العالمي نفسه الذي كان الترابي يتزعمه..

لم تكن المسألة مجرد خلاف على تصريح؛ كان السؤال عن حقيقة السلطة، وعن علاقة التنظيم بالانقلاب الذي أتى بها، وعن الفاصل المعلن بين من يحكم ومن يقف خلف الحكم.. وكان على الزعيم أن يواجه أسئلة فقة الضرورات والغاية والوسيلة، وأن يبرر ما جرى داخل مشروعه السياسي.

ثم دارت الأيام، ووقعت المفاصلة بين الترابي والبشير، وانكشف من أسرار التجربة ما ظل محجوباً عن الناس.. عاد الرجل الذي أقسم في قاعة وكالة السودان للأنباء، إلى شاشة الجزيرة، وعبر برنامج (شاهد على العصر) تحدث عن انقلاب الإنقاذ وعلاقة الحركة الإسلامية به، مقدماً اعترافات أعادت إلى الذاكرة ذلك القسم القديم، وأعادت سؤالي إلى المشهد بعد أن قطعت الوقائع مسافة طويلة من الإنكار إلى الاعتراف.

واليوم، بعد كل تلك السنوات، يتكرر ذات المشهد ولكن في صورة أخرى يظهر أحمد هارون في مقابلة (بودكاست السودان) فينفي أن يكون المؤتمر الوطني حزباً حاكماً، وينفي وجود علاقة تنظيمية بينه وبين البرهان.. وبين قسم الترابي ونفي هارون، تقف ذاكرة الصحافة شاهدة على مشهد يتكرر، وإن تبدلت الوجوه وتغيرت الأسماء.. كأن التاريخ لا يطلب منا أن نحفظ رواياته فحسب، بل أن نختبر الرواية الجديدة على ضوء ما كشفته الرواية القديمة.

هنا تنتهي الحكاية، ويبدأ المقال.

(1)

لم يكن ظهور أحمد هارون في مقابلة (السودان بودكاست) مجرد استعادة لذكريات رجل غاب عن المنابر سنوات.. الرجل رئيس المؤتمر الوطني، وأحد أبرز قيادات نظام الإنقاذ، وصاحب ملف قانوني ثقيل أمام المحكمة الجنائية الدولية. صدرت بحقه مذكرة توقيف في 27 أبريل 2007، تتضمن اتهامات بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور، وما زالت قضيته في مرحلة ما قبل المحاكمة.. وهذه نقطة قانونية يجب ضبطها:” الاتهامات لم تصدر فيها إدانة نهائية”.. لكن وجود مذكرة التوقيف يجعل مساءلة الرجل عن العدالة والمحاسبة جزءاً أصيلاً من أي حديث عن مستقبل السودان.. فمن حقه أن يتحدث، ومن حق الناس أن يسألوه.

(2)

لكن الأسئلة التي تتقافز من هذا اللقاء تبقى، حاضرة لمحاولة تفكيك المشهد، : لماذا خرج هارون الآن؟.. ولماذا هو تحديداً؟ و هل أراد مخاطبة قواعد المؤتمر الوطني وإعادة وصل ما انقطع بينها وبين قيادة الحزب؟ أم أراد تقديم خطاب سياسي جديد إلى جمهور أوسع، في ظل حرب أعادت ترتيب مواقع القوى وأوجدت واقعاً مختلفاً؟.. لا نملك دليلاً يجيز الجزم بنياته، لكن توقيت الظهور ومضمون الرسائل يفتحان باب التحليل.. فهو يتحدث عن الحرب، والجيش، والسلطة، والتفاوض، وشكل الدولة المقبلة.. أي إنه يتجاوز الدفاع عن موقف حزبي إلى طرح تصور سياسي لمستقبل البلاد.. وهذا وحده يجعل المقابلة وثيقة تستحق القراءة من أول عبارة إلى آخر إجابة.

(3)

ثم نصل إلى صلاح قوش، والذي تعمد هارون بوضوح قتل شخصيته في مخيلة كل اسلامي، حين وصفه بأنه (بطل فيلم هندي مات في أول دقيقة) منتقداً اندفاعه وثقته بقدراته، ومع ذلك تحفظ في استحياء باتهامه (بالخيانة) أو الجزم بوجود مؤثر خارجي أسقط الإنقاذ .. وهنا سؤال يستحق الوقوف: لماذا يحاول هارون إختزال سقوط نظام حكم السودان ثلاثين عاماً في مشهد رجل واحد؟.. نعم كان قوش مديراً لجهاز الأمن والمخابرات، وكانت له أدوار وتحركات سياسية وأمنية في الشهور الأخيرة للنظام، لكن ثورة ديسمبر لم تكن إنتاج مكتب أمني، ولا خلافاً بين رجال القصر.. فقد خرج السودانيون إلى الشوارع، وواجهوا القمع، والرصاص والموت، وواصلوا الاحتجاج حتى سقط البشير في 11 أبريل 2019.. قد نختلف حول أدوار الشخصيات في الساعات الأخيرة، لكن لا يجوز أن تختفي الجماهير من رواية الثورة، أو أن يتحول دور قوش إلى تفسير شامل لسقوط الإنقاذ.

(4)

ومن قوش نعود إلى البرهان.. ينفي هارون وجود علاقة تنظيمية أو عضوية تربط المؤتمر الوطني برئيس مجلس السيادة، ويقول إن حزبه لا يحكم البلاد.. لكن المقابلة نفسها تتضمن حديثاً عن مساندة الجيش، وعن القيادة، وعن ترتيبات الحكم المقبل، وعن موقع المؤسسة العسكرية في النظام السياسي.. هنا ينبغي التمييز بين العلاقة التنظيمية المعلنة، والنفوذ السياسي، والتقاطع في المواقف، والحضور داخل مؤسسات الدولة.. فهذه مستويات مختلفة، ولا يثبت أحدها الآخر تلقائياً.. لكن نفي المستوى الأول لا يعفينا من فحص المستويات الأخرى .. والسؤال الذي يظل مفتوحاً: “ما حدود العلاقة بين التنظيم والسلطة، وما الأدلة التي يمكن أن تجيب عن ذلك بعيداً عن النفي والإثبات المرسل؟”.

(5)

وفي ملف الحرب، تعود التسمية التي أول من أطلقها هارون (حرب الكرامة) لتستدعي سؤالاً عن معنى الكرامة ومقياس النصر.. فهو يتحدث عن تقدم ميداني وعن شروط لوقف الحرب والتفاوض، ويربط الوصول إلى الطاولة بتغير موازين القوة واقتناع الطرف الآخر بعدم قدرته على تحقيق أهدافه عسكرياً.. وهذا حديث رجل دولة لا هارب تطارده العدالة، و لكن السؤال أين يقف المواطن من هذه المعادلة؟ كم من البيوت هُدمت، وكم من الأسر شُردت، وكم من الأطفال دفعوا ثمن حرب لم يختاروها؟.. إن أي حديث عن النصر أو التفاوض ينبغي أن يجيب عن حماية المدنيين، ووقف القتل، وفتح مسارات الإغاثة، ومعالجة الجوع والمرض، وعودة النازحين.. فالكرامة التي لا تجد طريقها إلى حياة الناس تظل شعاراً يحتاج إلى امتحان النتائج.

(6)

أما مستقبل الحكم، فيطرح هارون تصوراً لنظام هجين يحتفظ فيه الجيش بدور سياسي، مع برلمان منتخب ورئيس ضمن ترتيبات دستورية مقترحة.. كما تحدث عن تجربة الإنقاذ وإنجازاتها، وعن الشراكة الانتقالية، وعن إعادة تأسيس الدولة.. وهذه أطروحات لا يكفي قبولها أو رفضها بالشعارات؛ بل تحتاج إلى أسئلة محددة: من يختار رئيس الدولة؟ ما حدود سلطته؟ كيف يُضمن استقلال البرلمان؟ من يحاسب المؤسسة العسكرية؟ وأين تقف العدالة الانتقالية وحقوق ضحايا الحروب والانتهاكات؟ أما تقييم تجربة الإنقاذ فينبغي أن يشمل حصيلة الحكم كاملة: ما تحقق في الخدمات والبنية التحتية، وما صاحب التجربة من حروب وانتهاكات وأزمات اقتصادية وسياسية. فالتاريخ لا يُقرأ بصفحة منتقاة، ولا يُحاكم بصفحة واحدة.

(7)

وهنا تتضح أهمية رسالة هارون وتوقيتها وقياس نتائجها.. ففي يوليو 2025، نقلت رويترز عن هارون حديثه عن عودة الحركة الإسلامية إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع بعد الحرب، وعن تصوره استمرار دور للجيش في السياسة.. واليوم تتكرر في المقابلة الراهنة موضوعات العلاقة بالبرهان، وموقع المؤتمر الوطني، وشكل الحكم، وشروط التفاوض.. نحن أمام خطاب سياسي يتناول المستقبل، لا مجرد دفاع عن الماضي.. والسؤال الذي ينبغي أن يجيب عنه أصحابه: كيف تتحول المشاركة السياسية إلى منافسة مدنية عادلة؟ كيف تُضمن المحاسبة؟ وكيف يُفصل بين العمل الحزبي ومؤسسات الدولة؟ ثم ما الذي تحقق للسودانيين من هذا الخطاب في وقف الحرب وصون حياتهم؟ فنتائج السياسة تُقاس بما تقدمه للناس، لا بما تمنحه لأصحاب المواقع.

# مطر_الحصو

ما يجب أن يعلمه هارون.. أن قسم الترابي لم يسقط من ذاكرة الصحافة، واعترافاته لم تبتلعها السنوات.

وعلى جماعة المؤتمر الوطني.. أن قاعة المؤتمرات لا تصلح مقبرةً لذاكرة شعب، ولا تستطيع رواية قوش أن تدفن ثورة ديسمبر تحت ركامها.

ونفي العلاقة بالبرهان لا يمحو تاريخ التنظيم، وتغيير المواقع لا يغيّر حقائق السلطة، وتبديل الأسماء لا يمنح المشروع القديم شهادة ميلاد جديدة.

ثلاثون عاماً من الحكم لا تُمحى بعبارة، وثورة شعب لا تختصرها مقابلة، ودماء السودانيين لا يجوز أن تصبح أوراقاً في مفاوضات استعادة المقاعد.

إن كان المؤتمر الوطني قد غادر السلطة، فليترك للشعب أن يختار، وللعدالة أن تحاسب، وللدولة أن تتحرر من قبضة التنظيمات.

وإن كان يريد العودة، فليواجه ذاكرة وطن لم ينسَ.

أوقفوا الحرب يا هارون.. افتحوا أبواب العدالة.. أعيدوا الدولة إلى أصحابها.. فالسودان أكبر من حزب، وأبقى من سلطة، وأغلى من أن يُختزل في مشروع جماعة.

#ومضة

في أرشيف الصحافة قسمٌ قديم، وفي شاشة التلفزيون اعترافاتٌ أعادت ترتيب المشهد. وبين القاعة والشاشة، عبرت البلاد ثلاثون عاماً من الإنكار والانكشاف، ثم جاءت ثورة ديسمبر لتكتب بدماء أبنائها ما عجزت الأقلام عن محوه.

تبدلت الوجوه، وتغيرت المواقع، لكن الحقيقة لا تزال واقفة عند باب التاريخ.. لا تطلب قسماً جديداً، بل تنتظر من يملك شجاعة الاعتراف.

#توقيع_أفق_الحرف..

أفق يترفق باتساعه ليقول:”إن الأوطان لا تُبنى بإعادة تدوير الأزمات، ولا تستقيم بتبديل الأسماء فوق المقاعد ذاتها؛ وإنما تنهض بالحرية والسلام والعدالة، وبسلطة تخضع للقانون، وكرامة لا تُجزّأ بين مواطنيها”.

إنا لله ياخ..

الله غالب.

altaghyeer.info