الطاهر ساتي يكتب.. كـ .. كوز في مناهج التعليم

كتب الطاهر ساتي- (كـ .. كوز)- مناهج المراحل الأولية وضعت أساساً لبناء القدرات الذهنية، وتدريس المهارات اللغوية والعلمية؛ ثم تنتقل المناهج في المراحل التالية من طور التأسيس وتلقين المهارات إلى مرحلة بناء الشخصية المستقلة، أي: مرحلة إعداد الطالب للتعامل مع واقع الحياة والمجتمع بوعي وكفاء.
:: وليس من سلامة التربية ولا التعليم إقحام مصطلحات ذات حمولة جدلية تخرج التعليم عن مساره النبيل، وتربك عقول الأطفال بتحميلها جدلاً يفوق حجم إدراكهم؛ ومثل هذا الخطل يضعف تركيز الطفل، ويبث الخوف والاضطراب في بيئته التي يجب أن تظل دائماً آمنة ومحايدة.
:: قرأت بيان لجنة المعلمين السودانيين الناقد لإدراج كلمة “كوز” لتعليم حرف الكاف في كتاب اللغة العربية للصف الأول الابتدائي، واعتبار هذا الفعل خطوة للعودة بالفكر الإسلامي عبر المناهج، واستهدافاً مباشراً لوعي الصغار، ومطالبتها بسحب الكتاب فوراً ومحاسبة المسؤولين.
:: شكراً للجنة المعلمين السودانيين وهي تنتبه لما غفل عنه الجميع؛ وهي “الحمولة السياسية الثقيلة” لكلمة (كوز)، وما كان ينبغي إدراجها في الكتاب.. ونحسن الظن بالمسؤولين في بخت الرضا، ونقول: عبقريتهم الفذة لم تجد في بحور اللغة العربية الواسعة ما يناسب عقول صغارنا سوى كلمة (كوز).
:: نعم، نحسن الظن ونبعد عنهم تهمة “الكوزنة” ، ولكن من الصعب جداً تبرئتهم من تهمة “ضيق الأفق” حين عجزوا عن إيجاد كلمة غير (كوز)، وكأن الكلمات المحايدة قد جفت تماماً من المعاجم، لنسقط جميعاً في فخ جدل سياسي عقيم في غير مسرحه الطبيعي، أي مسرح التعليم الأولي.
:: فليعذرنا سادة بخت الرضا..لم أجد وصفاً دقيقاً لما حدث غير أنها (سقطة تربوية)، ولا يجب أن تمر برداً و سلاماً، بل يجب مساءلة المسؤولين عنها، ثم مراجعة كل أعمالهم؛ لأن القضية هنا أبعد ما تكون عن خطأ عابر، بل هي تخريب حقيقي لمناهج دراسية يفترض بها البناء والحياد.
:: فالكلمة وإن كانت تعني في معاجم اللغة القديمة (إناء الماء)، فإنها في الواقع السوداني، وفي مجالس الناس، وبيوتهم، وشوارعهم، وفي ملاهي الأطفال، وملاعب الشباب، ترمز بشكل واضح لتنظيم سياسي؛ فأين فطنة علماء بخت الرضا من هذه “الفتنة”؟
:: والأدهى، لم يعد مصطلح (كوز) مقتصراً على الإسلاميين، بل توسع معناه بشكل ساذج؛ ليُطلقه نشطاء المرحلة على كل من يختلف معهم في رأي أو قضية، وعلى كل من يدعم الجيش في “معركة الكرامة”، بغض النظر عن خلفيته الفكرية؛ ليصبح لسان حالهم : أنت مع الجنجويد أو (كوز)
:: المهم ..علماء بخت الرضا يعلمون بأن التعليم الحديث يقضي بربط الحروف بصور محايدة تجنباً لتشتيت الصغار..وهنالك كلمات بديلة وأكثر سلاسة، كان يمكن اعتمادها، مثل (كتاب)، وهي الكلمة الأشهر و الأكثر استخداماً في المناهج العربية لسهولتها وعمق دلالتها التعليمية.
:: ثم كلمة (كرة) باعتبارها المحبوبة الأولى للأطفال، وكلمة (كلب) وهو كائن معروف للصغار..و لو أردنا (إناء الماء)، فعند المفاضلة بين كلمتي الكوز والكوب، تفوز كلمة (كوب) لحياديتها التامة..ولكن يبدو أن مسؤولية تربية صغارنا قد وقعت لسوء الحظ على عاتق فئة محدودة الخيال.
:: وعليه، راجعوا المناهج، واحذفوا هذه الكلمة المثيرة للجدل؛ فالحياة تضج بالكلمات المتفق عليها، والتي لا تحمل تأويلات سياسية تشوش على أذهان صغارنا، ولتكن قاعات الدرس مكاناً للعلم النقي، بعيداً عن صراعات الكبار وتجاذبات الحمقى.. أو “الساسة”، كما تسميهم المعاجم السودانية.
alzaawia.net