السودان في مفترق الطرق
مساعي الرياض لشرعنة البرهان بواجهة مدنية تُعيد نظام الإنقاذ
عمر سيد أحمد *
في الوقت الذي يرزح فيه الشعب السوداني تحت وطأة واحدة من أشد الكوارث الإنسانية في التاريخ الحديث، تدور في الرياض اتصالات سرية بعيدة عن أعين المواطن السوداني ومنظماته الشعبية، تهدف إلى إعادة رسم خريطة السلطة السياسية وفق معادلة يغيب عنها الإرادة الشعبية بشكل شبه كامل. كشف تقرير منصة Africa Intelligence الصادر في 15 يونيو 2026 أن المملكة العربية السعودية تقود مبادرة دبلوماسية سرية لتشكيل جبهة مدنية تكنوقراطية داعمة للجنرال عبد الفتاح البرهان — وهو ما يكشف أن الجمهور المستهدف بهذه المبادرة ليس الشعب السوداني، بل العواصم الغربية وأروقة الأمم المتحدة.
📌 من التسريبات الاستخباراتية (Africa Intelligence — 15 يونيو 2026): منذ مارس 2026، يقود نائب وزير الخارجية السعودي وليد الخريجي سلسلة من الاجتماعات الفردية في الرياض مع شخصيات رئيسية من الائتلاف المدني لرئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك. وتعتبر المملكة أن حمدوك شديد التأثر بنفوذ قوات الدعم السريع بقيادة الفريق دقلو، التي تخوض حرباً مع الجيش بقيادة البرهان منذ أكثر من ثلاث سنوات.
الأهداف الاستراتيجية الثلاثة للرياض
تنطوي المبادرة السعودية على ثلاثة أهداف متشابكة: أولها ترميم شرعية البرهان دولياً، إذ يحتاج الجنرال الذي يحكم السودان بقوة السلاح إلى واجهة مدنية تجعله مقبولاً في قمم الأمم المتحدة ومنابر الاتحاد الأوروبي. وثانيها إعادة إحياء مسار جدة واستعادة دور الوسيط الإقليمي الذي تراجع منذ 2023. أما ثالثها فهو تحجيم النفوذ الإماراتي، إذ تستهدف المبادرة بشكل مضمر عزل الوسطاء والمجموعات المدنية المحسوبة على أبوظبي، في سياق تنافس خليجي لا يزال يتشكل على حساب الجسد السوداني النازف.
📌 من التسريبات الاستخباراتية (Africa Intelligence — 15 يونيو 2026): استهدف نائب الوزير السعودي ثلاثة أركان في تحالف قوى الحرية والتغيير (تجمّع صمود) من أجل تعطيل القناة الموالية لحمدوك: دُعيت أولاً مريم الصادق المهدي، وزيرة الخارجية السابقة في حكومة حمدوك، وشقيقها عبد الرحمن العضو البارز في حزب الأمة، فضلاً عن عمر الدقير زعيم حزب المؤتمر السوداني. وأُجريت هذه المشاورات تحت أعين عبد العزيز بن عبد الله المطر المندوب السعودي لدى جامعة الدول العربية، وبحضور خالد بن علي الحميدان رئيس رئاسة الاستخبارات العامة السعودية.
هذا الاختيار الدقيق للأسماء يكشف عن استراتيجية مُحكمة: فمريم الصادق المهدي تحمل إرثاً سياسياً عريقاً بوصفها ابنة رئيس الوزراء السابق الصادق المهدي، وشقيقها عبد الرحمن يمثّل قاعدة حزب الأمة الشعبية، بينما يُتيح عمر الدقير الوصول إلى شبكات الشباب الديمقراطي في تحالف تقدم. إنه تفكيك ممنهج لمعارضة موالية لحمدوك بدلاً من بنائها.
إحياء مسار جدة — بوجوه تكنوقراطية مختارة:
لإتقان هذا الترتيب وتوسيع قاعدته، لجأت الرياض إلى استقطاب دبلوماسيين مخضرمين بعيدين عن الفصائل السياسية المتنازعة، سعياً لإضفاء طابع مهني على الواجهة المدنية المرتقبة.
📌 من التسريبات الاستخباراتية (Africa Intelligence — 15 يونيو 2026): دعت الرياض دبلوماسيَّين بارزَين: نور الدين ساتي، السفير السوداني السابق لدى الولايات المتحدة، ودفع الله الحاج علي، السفير السوداني السابق لدى السعودية الذي شغل منصب رئيس الوزراء المؤقت في أوائل عام 2025. وكانت الرياض قد طالبت الجنرال البرهان بتعيين رئيس وزراء مدني، فوقع الاختيار على الدبلوماسي السابق كامل إدريس، لكنه فشل في ترسيخ نفسه كشخصية توافقية.
إدراكاً من الرياض أن مصداقية البرهان الدولية تعتمد على جبهة مدنية صلبة، فإنها تختار بنفسها المعارضين والتكنوقراط الذين تراهم يمتلكون الشرعية الكافية لإحياء مسار جدة. وكانت مفاوضات مايو 2023، التي رعتها الرياض وواشنطن مشتركتَين، قد أسفرت عن اتفاق لوقف إطلاق النار سرعان ما انهار على وقع انتهاكات متعددة من الطرفين.
📌 من التسريبات الاستخباراتية (Africa Intelligence — 15 يونيو 2026): حتى الآن، تبقى مساعي الحوار التي يقودها المجتمع الدولي، بما فيها مجموعة الوساطة الرباعية (السعودية، مصر، الإمارات، والولايات المتحدة)، في حالة جمود تام. وتأمل الرياض في استعادة زمام الوساطة مع عزل وسطاء أبوظبي داخل المجتمع المدني السوداني.
هذه الصورة تكشف مفارقة جوهرية: المملكة التي تدّعي الوساطة هي ذاتها التي تختار المدنيين وتحدد صلاحياتهم — فأية وساطة تلك التي تبدأ بتعيين أطراف الحوار لا بتهيئة بيئته؟
مواقف الأطراف الرئيسية
أبدى الجيش السوداني موافقة مبدئية مشروطة على مبادرة الرياض لحاجته لغطاء مدني، مع رفض قاطع لأي مساومة تمنح قوات الدعم السريع شرعية موازية. في المقابل، تدعم الولايات المتحدة الشراكة مع الرياض وتُفضّل الأسماء التكنوقراطية، لكنها تضع فيتو صريحاً ضد إقصاء تحالف تقدم بزعامة حمدوك. أما الدول الأوروبية فتتبنى مقاربة صارمة ترفض الحوار الأحادي وتصر على وقف شامل لإطلاق النار. وتقف تنسيقية تقدم في الطرف المقابل تماماً، رافضةً بشدة محاولات تشكيل جبهة مدنية تابعة للجيش، ومحذّرةً من أن هذه المحاولات واجهة غير معلنة لإعادة تمكين عناصر النظام السابق والحركة الإسلامية.
ولعل التسريبات تضع هذا الرفض في سياقه الأدق: حين تُدعى مريم الصادق المهدي — التي أقالها انقلاب 2021 بقيادة البرهان ودقلو معاً — لإضفاء شرعية على مسار يقوده ذلك الجنرال نفسه، فإن رسالة تنسيقية تقدم تصبح مفهومة تماماً: الاسم المدني لا يُغيّر الطبيعة العسكرية للسلطة.
الغائب الأكبر — الشعب السوداني
ثورة ديسمبر 2018 لم تكن حدثاً عابراً بل تعبيراً عن وعي شعبي متراكم رفض ثلاثة عقود من الحكم العسكري الديني الاستبدادي. ولجان المقاومة السودانية التي نظّمت ملايين المحتجين ليست في أي من قوائم الشخصيات التي تجري الرياض اتصالات معها.
📌 من التسريبات الاستخباراتية (Africa Intelligence — 15 يونيو 2026): الأسماء التي استهدفها الخريجي — الصادق المهدي والدقير وغيرهم — هي شخصيات حزبية تقليدية وتكنوقراط، لا ممثلون عن لجان المقاومة أو الحراك الشعبي الذي صنع ثورة ديسمبر. الاجتماعات أُجريت بحضور رئيس الاستخبارات السعودية — وهو مؤشر صريح على أن الهدف أمني-سياسي، لا إصلاح ديمقراطي.
هذا الغياب ليس سهواً بل خيار سياسي مقصود يكشف أن المبادرة السعودية مصمَّمة لترتيب علاقة بين العسكر والتكنوقراط، لا لتمثيل الإرادة الشعبية السودانية. شعب يرفض العودة إلى الحكم العسكري المباشر أو المقنَّع، ويرفض عودة رموز النظام السابق تحت أي مسمى، ويرفض الوصاية الإقليمية التي تُقرر مصيره في اجتماعات مغلقة يحضرها رؤساء أجهزة الاستخبارات.
الخريطة السياسية — ثلاثة محاور لا كتلتان:
يكشف التحليل أن المشهد السوداني لا ينقسم إلى معسكرين بل إلى ثلاثة محاور متمايزة: المحور الأول هو مشروع الدولة المركزية الموروثة الذي يضم الجيش وحركات جوبا والمبادرة السعودية، ويسعى إلى ترميم الدولة القائمة بواجهة مدنية تحفظ للعسكر الهيمنة الفعلية. والمحور الثاني هو تحالف هدم القديم الذي يجمع قوات الدعم السريع وعبد العزيز الحلو على خطاب العلمانية والتأسيس، وإن كان تحالفاً مرحلياً تكتيكياً محفوفاً بتناقضات عميقة حول المحاسبة. أما المحور الثالث — مشروع إعادة التأسيس الشعبي — فيضم تنسيقية تقدم وحمدوك وعبد الواحد محمد نور ولجان المقاومة؛ وهو الأكثر مصداقية أخلاقياً لكنه الأضعف ميدانياً.
والمبادرة السعودية — بحسب ما كشفته التسريبات — تسعى إلى اختراق المحور الثالث لا بالحوار معه بل بتفكيكه: استقطاب أجزاء منه وإعادة توجيهها نحو المحور الأول، خالقةً بذلك وهم التمثيل الشعبي مع تغييب مضمونه.
الحقيقة التي تتجنبها العواصم — تجار الحرب من الطرفين
الحرب السودانية لن تتوقف بقرار سياسي — بل بقطع أسباب استمرارها. الدعم السريع يموّل آلته العسكرية من الذهب السوداني المهرَّب عبر شبكات دولية، فيما تواصل مصر — التي باتت المستفيد الاقتصادي الأول من هذه الحرب — استحواذها على الذهب السوداني خارج رقابة البنك المركزي، مقابل الطيران والمسيرات والغطاء السياسي للجيش.
كلا الطرفين تاجرا حرب: الدعم السريع يبيع السودان لشبكات التهريب الدولية، والجيش يبيعه لمصر. والشعب السوداني هو السلعة في كلتا الصفقتين. والأطراف الإقليمية التي تتحدث عن السلام هي ذاتها التي تُمدّ الحرب — لا يمكن أن تكون الرياض وسيطاً لسلام وهي تدعم طرفاً وتختار مدنييه، ولا أن تكون أبوظبي راعية لحل وهي تموّل الطرف الآخر.
📌 من التسريبات الاستخباراتية (Africa Intelligence — 15 يونيو 2026): تأمل الرياض في استعادة السيطرة على الوساطة مع عزل وسطاء أبوظبي داخل المجتمع المدني — وهو ما يعني بوضوح أن مسار جدة الجديد مصمَّم ليكون ساحة للتنافس الخليجي قبل أن يكون مساراً للسلام السوداني.
الترتيب الصحيح الذي تُقلبه كل المبادرات:
كل المبادرات الجارية تقع في الخطأ المنهجي ذاته: تبني السقف السياسي قبل إخماد الحريق الميداني. الترتيب الصحيح الوحيد يبدأ بوقف تدفق السلاح للطرفين معاً، ثم تجفيف تمويل الحرب وإغلاق شبكات تهريب الذهب وتجميد أصول قادة الطرفين، ثم تأمين ممرات إنسانية حقيقية تُديرها الأمم المتحدة مباشرة — وفقط بعد الصمت الفعلي للمدافع يبدأ الحديث عن أي ترتيبات سياسية.
السودان لا يحتاج إلى مزيد من المبادرات التي تُشكّل جبهات مدنية فوق حرب مشتعلة. يحتاج إلى إرادة دولية حقيقية تقول لمصر والإمارات والسعودية: أوقفوا السلاح وأوقفوا نهب الموارد — أو تحملوا أمام التاريخ مسؤولية كل دم يُسفك في السودان.
السودان ليس ملفاً دبلوماسياً يحتاج إلى إدارة — بل شعب يحتاج أولاً إلى أن تتوقف الحرب، ثم إلى أن يُسمع صوته في بناء دولته بيده.
المصدر الاستخباراتي: Africa Intelligence — 15 يونيو 2026
* باحث في الاقتصاد السياسي السوداني وخبير مصرفي ومالي مستقل
altaghyeer.info