
تواجه الأرجنتين، حاملة اللقب، اختبارا حرجا في الدور المقبل من نهائيات كأس العالم لكرة القدم عندما تلتقي نظيرتها سويسرا، وسط تساؤلات فنية متزايدة أثارتها المواجهات الأخيرة أمام كل من كاب فيردي ومصر، والتي كشفت عن ثغرات واضحة في منظومة المدرب ليونيل سكالوني، على الرغم من الفاعلية الهجومية المستمرة لقائد الفريق ليونيل ميسي.
وجاءت المباراة الأخيرة للأرجنتين في الدور ثمن النهائي أمام المنتخب المصري بملعب أتلانتا لتشكل إحدى المحطات الدراماتيكية في هذه النسخة؛ إذ كان "الألبيسيليستي" متأخرا بهدفين دون رد، وعلى شفا مغادرة المونديال، في مواجهة شهدت إهدار ميسي لركلة جزاء كانت كفيلة بتحميله مسؤولية الإقصاء. غير أن الأخير قاد انتفاضة هجومية أسفرت عن تسجيل ثلاثة أهداف في غضون ما يزيد قليلا عن عشر دقائق، ليتأهل الفريق إلى ربع النهائي.
وعكست الأجواء عقب صافرة النهاية حجم الضغوط العصبية داخل المعسكر الأرجنتيني؛ إذ رصدت العدسات بكاء ميسي وزملائه، بالإضافة إلى المدير الفني ليونيل سكالوني، الذي أقر في تصريحات لشبكة التلفزة الناقلة على خط التماس بعدم قدرته على حبس دموعه، مشيرا إلى أن لاعبي الفريق باتوا يلقبونه بـ "el llorón" (الباكي)، قبل أن ينهي المقابلة سريعا لعدم تمكنه من السيطرة على مشاعره.
وتأتي هذه التقلبات لتضع الأرجنتين كأكثر المنتخبات تقديما للمسارات الدراماتيكية في البطولة الحالية؛ فبعد انطلاقة قوية في دور المجموعات حسمها الفريق دون عناء، يقدم ميسي (39 عاما) أداء استثنائيا في مسيرته المونديالية، حيث سجل ثلاثية (هاتريك) في اللقاء الافتتاحي منحته صدارة الهدافين التاريخيين للمسابقة بالشراكة، وهو الرقم الذي يستمر في تعزيزه مع توالي المباريات.
ورغم الهبات الفنية للملحمة الأرجنتينية بقيادة ميسي، إلا أن الأداء الجماعي شهد تراجعا ملحوظا؛ فالصعوبات التي واجهها الفريق أمام مصر سبقتها مواجهة في دور الـ32 أمام منتخب كاب فيردي في ميامي، حيث لم ينقذ الأرجنتين من خسارة كانت ستُصنف كإحدى كبرى مفاجآت الرياضة المحترفة تاريخيا سوى هدف إنقاذ في الوقت بدل الضائع.
إعلانهذه المؤشرات فتحت الباب أمام الصحافة الرياضية لمساءلة سكالوني، وهو أمر غير معتاد للمدرب الذي يحظى بمكانة رفيعة في بلاده إثر إنهائه فترة جفاف للألقاب دامت 28 عاما، وقيادته المنتخب لتحقيق النجمة المونديالية الثالثة ولقبين متتاليين في كوبا أمريكا. هذا الرصيد جعل أسئلة الإعلاميين شحيحة في الفترات الماضية، إلا أن الصحافة بدأت خلال هذا المونديال تدقق في الخيارات الفنية، مما تسبب في صدامات مباشرة بين المدرب والصحفيين حول أسئلة وصفت بالأساسية.
وفي المقابل، يتمسك سكالوني بموقف دفاعي؛ إذ أصر بعد مباراتي الأدوار الإقصائية على أن فريقه كان مسيطرا تماما على مجريات اللعب، وهو ما يتناقض مع القراءة الموضوعية للمباريات؛ حيث ظهر منتخب كاب فيردي ندا حقيقيا في أسوأ أحواله، بينما فرض المنتخب المصري تفوقه على فترات ممتدة. ويعيد هذا السيناريو إلى الأذهان ما حدث في مونديال قطر عام 2022، عندما فرطت الأرجنتين في تقدمها بالنتيجة في أربع مناسبات، منها مرتان في المباراة النهائية ضد فرنسا. ورغم أن هذه الخاصية تمنح المباريات إثارة جماهيرية، إلا أنها لا تبث الطمأنينة الفنية قبل مواجهة المنتخب السويسري المعروف بانضباطه التكتيكي العالي، والذي قد يصعب التعويض أمامه إذا خسر التقدم.
وعلى الصعيد الإداري، تحيط بالاتحاد الأرجنتيني لكرة القدم أزمات خارج الملعب؛ إذ واجه اتهامات علنية من المدير الفني لمنتخب مصر بوجود "شبهة تلاعب" في مباراتهما، إلى جانب تقارير تفيد بخضوع الاتحاد الأرجنتيني لتحقيق من قبل مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي (إف بي آي) بشأن اتهامات تتعلق بسوء إدارة عقوده التجارية في الولايات المتحدة. ومن جهته، نفى الاتحاد الأرجنتيني هذه الاتهامات، حيث صرح توماس ريغالادو، سفير الاتحاد في أمريكا الشمالية، الأسبوع الماضي مؤكدا أن "الإجراءات التحقيقية في حد ذاتها لا تعني ثبوت المسؤولية أو الإدانة".
ولم تنعكس هذه الأزمات الإدارية على الحضور الجماهيري؛ إذ تُعد الجماهير الأرجنتينية الكتلة التشجيعية الأكبر في المونديال خلف جماهير الدول المستضيفة، مكررة في كل مدينة مظاهر الـ "banderazo" (التجمعات الحاشدة بالرايات والطبول والأهازيج الجماعية). هذا الزخم الجماهيري يمثل ركيزة يعتمد عليها الفريق والمدرب بشكل مباشر، حيث اعترف سكالوني عقب مباراة مصر بأن الفريق يعرض مشجعيه لضغط عصبي مستمر طوال منافسات هذا الصيف.
إلى جانب ذلك، تطال سكالوني انتقادات تتعلق بإدارته التكتيكية وإحجامه عن تدوير التشكيلة، مع استمراره في الاعتماد على الركائز الأساسية المتقدمة في السن. وفي المقابل، تفرض الضغوط البدنية نفسها على ميسي، الذي ظهرت عليه آثار الإجهاد والالتحامات العنيفة عقب لقاء كاب فيردي، حيث صعد إلى منصة التصريحات مصابا بكدمة واضحة وتورم في جبهته، وعلق لاحقا بأن اللاعبين الذين يتعمدون التدخل معه بقوة في الملعب هم أنفسهم من يتسابقون لطلب قميصه عقب نهاية المباريات.
إعلانوتدخل الأرجنتين مواجهة سويسرا وهي مطالبة برفع نسق الأداء والحفاظ عليه لفترات أطول، وعدم الرهان فقط على الشحن المعنوي والحماس الجماهيري. ومع ذلك، يظل هذا الطابع الفوضوي هو الهوية التي تميز الفريق حاليا، وهو ما لخصه سكالوني في تصريحاته المتأثرة عقب لقاء مصر بقوله: "كرة القدم لا تقتصر على الخطط والإستراتيجيات؛ هي أمور مهمة بلا شك، ولكن لولا الروح والقلب اللذان قاتلنا بهما، لكنا خارج البطولة اليوم".
aljazeera.net