سودان اندبندنت
خبر ⁄سياسي

إسرائيل تدمر المدارس في جنوب لبنان لمنع عودة السكان

إسرائيل تدمر المدارس في جنوب لبنان لمنع عودة السكان

تفرض الحرب في جنوب لبنان تحدياً جديداً على القطاع التربوي مع اقتراب موعد بدء العام الدراسي، بعدما تحولت المدارس إلى واحدة من أكثر المؤسسات تضرراً بفعل القصف والدمار، في وقت يرى تربويون أن إعادة تأهيلها لم تعد مجرد استحقاق تعليمي، بل أصبحت شرطاً أساسياً لعودة آلاف العائلات إلى قراها الحدودية. وبينما تتواصل عمليات مسح الأضرار والاستعداد لورش الترميم، تتزايد المخاوف من أن يؤدي التأخير في إعادة تأهيل المدارس إلى حرمان آلاف التلامذة من استئناف تعليمهم بصورة طبيعية. وتتقاطع هذه المخاوف مع تحذيرات أممية من اتساع الأزمة، ودعوات رسمية إلى حماية المؤسسات التعليمية.

دعوة إلى وقف استهداف المدارس

وفي هذا السياق، أشارت وزيرة التربية والتعليم العالي ريما كرامي، في بيان، إلى أن «المؤسسات التربوية والاجتماعية لا تزال الهدف الرئيس للعدو الإسرائيلي، الذي دمَّر مجمع عبد الرؤوف فضل الله التربوي والاجتماعي في بلدة عيناثا قضاء بنت جبيل، والذي يضم ثانوية الإشراق ومبرة الخير ودار الرأفة». وأضافت: «إن هذا التدمير الممنهج للمؤسسات التربوية والرعائية يثبت في كل مرة أن العدو يعمل على جعل العودة إلى القرى المحتلة أكثر صعوبة؛ لأن المدارس هي عصب بقاء العائلات في بلداتها وقراها».

وتابعت: «أمام هذا الواقع المرير، نكرر النداء ونرفع الصوت مناشدين الدول الكبرى والمؤثرة الضغط على إسرائيل لوقف هدم المؤسسات التربوية والمنازل، سيما وأننا لا نزال في بداية مسار المفاوضات لتحقيق التهدئة والانسحاب الإسرائيلي من أراضينا».

كما أكدت: «أننا نقف إلى جانب مؤسسة المبرات الخيرية العريقة، مستنكرين العدوان الغاشم وشاجبين هذه الجريمة المتمادية بحق التربية والتعليم والمجتمع».

فتاة نازحة من جنوب لبنان في إحدى مدارس مدينة صور التي تحوّلت مركزاً للنازحين (أ ف ب)

ويأتي ذلك في وقت حذرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، في مطلع يوليو (تموز) الحالي، من أن ما لا يقل عن 100 ألف طفل في لبنان يواجهون خطر عدم العودة إلى مقاعد الدراسة مع انطلاق العام الدراسي المقبل، إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة قبل سبتمبر (أيلول) لإصلاح المدارس المتضررة وتأهيلها.

وأوضحت المنظمة أن 340 مدرسة رسمية وخاصة تعرضت لأضرار متفاوتة، في حين دُمرت 17 مدرسة بالكامل في محافظات النبطية والجنوب والبقاع وبعلبك - الهرمل وبيروت وجبل لبنان.

أرقام رسمية تكشف حجم الخسائر

ولا تقتصر التحذيرات على تقديرات المنظمات الدولية؛ إذ تُظهِر أرقام وزارة التربية والتعليم العالي اتساع حجم الدمار الذي أصاب القطاع التربوي نتيجة الحرب.

وتكشف أرقام صادرة عن وزارة التربية والتعليم العالي في أوائل شهر يوليو الحالي، عن أن الحرب خلّفت أضراراً واسعة في القطاع التربوي؛ إذ بلغ عدد المدارس الرسمية والخاصة المتضررة 352 مدرسة، بينها 26 مدرسة مدمرة كلياً، في حين تجاوز عدد الطلاب المتأثرين 125 ألف طالب.

ووفق الإحصاءات، تضررت 239 مدرسة رسمية، بينها 20 مدرسة مدمرة كلياً و27 بأضرار شديدة و63 بأضرار متوسطة و129 بأضرار طفيفة؛ ما انعكس على 71446 طالباً. كما تضررت 113 مدرسة خاصة، بينها 6 مدارس مدمرة كلياً و26 بأضرار شديدة و39 بأضرار متوسطة و42 بأضرار طفيفة، متسببة بتأثر 53761 طالباً.

وتشمل الخسائر أيضاً قطاع التعليم المهني والتقني، حيث تضررت 35 مؤسسة، بينها 4 مؤسسات مدمرة كلياً (اثنتان رسميتان واثنتان خاصتان).

أطفال يلعبون في باحة إحدى المدارس التي تحولت مركزاً للنازحين في منطقة عاليه في جبل لبنان (رويترز)

وتُظهر بيانات الوزارة أن الدمار الكامل في المدارس الرسمية تركز في الجنوب، مع 8 مدارس في قضاء بنت جبيل، و7 في مرجعيون، و4 في صور، ومدرسة واحدة في النبطية؛ ما يجعل هذه الأقضية الأكثر تضرراً على مستوى البنية التربوية.

دمار واسع في مدارس الجنوب

وإذا كانت الأرقام الرسمية ترسم صورة شاملة لحجم الخسائر على مستوى لبنان، فإن المعطيات الميدانية التي حصلت عليها «الشرق الأوسط» تكشف عن تفاصيل الأضرار التي أصابت المدارس في جنوب البلاد، وحجم أعمال التأهيل المطلوبة قبل انطلاق العام الدراسي المقبل.

وكشفت مصادر تربوية في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»، عن أن «الحصيلة الأولية للأضرار التي خلفتها الحرب في القطاع التربوي تشير إلى تدمير ثماني مدارس بشكل كامل في القرى الأمامية، في حين تحتاج نحو مائة مدرسة أخرى إلى أعمال ترميم وصيانة متفاوتة قبل التمكن من استقبال التلامذة مع انطلاق العام الدراسي المقبل».

وقالت المصادر إن «المدارس التي تعرضت للتدمير الكلي تقع بمعظمها في القرى الأمامية، في حين توزعت الأضرار في بقية المدارس بين إصابات مباشرة بالقذائف وتداعيات القصف؛ ما أدى إلى تحطم النوافذ والأبواب والأسقف، وتصدع عدد من المباني، فضلاً عن أضرار في الصفوف والمرافق التعليمية».

وأضافت أن «قسماً كبيراً من المدارس في المناطق الآمنة نسبياً استُخدم خلال الحرب مراكز لإيواء النازحين؛ الأمر الذي أدى إلى تضرر التجهيزات والأثاث المدرسي، وبات يستوجب تنفيذ أعمال تأهيل تشمل إعادة طلاء الصفوف، وصيانة المرافق، واستبدال الطاولات والمقاعد التي تعرض كثير منها للتلف».

وأوضحت المصادر أن الأضرار لا تقتصر على القرى الأمامية، «بل تمتد إلى مدارس في منطقة صور والبلدات الواقعة بين المنصوري وصور»، مؤكدة أن «جميعها تحتاج إلى مستويات مختلفة من الصيانة قبل بدء الدراسة».

وشددت على أن الأولوية «العاجلة تتمثل في إعادة تركيب الزجاج وإصلاح النوافذ والأبواب قبل حلول فصل الشتاء، محذرة من أن تأخر هذه الأعمال سيصعّب تشغيل المدارس بصورة طبيعية، في حين تتفاوت بقية الأضرار بين مدارس أصابتها قذيفة أو أكثر، وأخرى تعرضت لتصدعات أو أضرار إنشائية جزئية تتطلب تدخلاً سريعاً».

حق التعليم في مواجهة الحرب

ولا يقتصر القلق على حجم الدمار، بل يمتد إلى انعكاساته على مستقبل آلاف التلامذة؛ وهو ما دفع لجنة التربية النيابية إلى تكثيف اتصالاتها مع الجهات المعنية.

أطفال نازحون يلعبون في ملعب مدينة كميل شمعون الرياضية التي تحولت مركزاً للنازحين (رويترز)

وأكد عضو لجنة التربية النيابية النائب بلال الحشيمي لـ«الشرق الأوسط»: أن لجنة التربية النيابية تتابع ملف استهداف المؤسسات التعليمية في جنوب لبنان، مشدداً على «أن المدارس والمؤسسات التربوية محمية بموجب القوانين والمواثيق الدولية، وأن استمرار استهدافها يهدد مستقبل آلاف الطلاب».

وقال الحشيمي: «لجنة التربية النيابية تتابع هذا الملف بشكل حثيث، ونعمل على إيصال القضية إلى الجهات المعنية من أجل وضع حد لاستهداف المؤسسات التربوية؛ لأن ما يجري لا يمكن السكوت عنه».

وأضاف: «المؤسسات التعليمية هي مؤسسات مدنية مخصصة للتعليم، ولا يجوز استهدافها تحت أي ظرف. فالقوانين والقرارات الدولية تكفل حماية المدارس وحق الأطفال في التعليم، ولا يحق لأحد حرمانهم من هذا الحق».

وأشار إلى أن اللجنة تواصل اتصالاتها مع الجهات الدولية المعنية، مؤكداً أن «استمرار تدمير المدارس يهدد مستقبل الطلاب في الجنوب، ويترك آثاراً خطيرة على العملية التعليمية، فضلاً عن انتهاكه حق الأطفال في متابعة تعليمهم».

aawsat.com