خبر ⁄سياسي

كاتب بريطاني: هل نسير نياما نحو حرب عالمية ثالثة

نشر:آخر تحديث:
كاتب بريطاني: هل نسير نياما نحو حرب عالمية ثالثة

لم تعد الحرب احتمالا بعيدا عن مناطق اعتادت الاستقرار؛ من أوروبا الغربية إلى شرق آسيا ودول الخليج. فالهجمات الصاروخية التي تعطل المطارات، والضربات الروسية على أوكرانيا، والتحذيرات الأوروبية من امتداد الهجمات إلى أراضي الاتحاد الأوروبي، بالتوازي مع المناورات العسكرية الصينية قرب سواحل تايوان، تبدو جميعها وفقا لقراءة جدعون راخمان، كبير معلقي الشؤون الخارجية في صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية، مؤشرات متزامنة على عالم تتسع فيه دوائر انعدام الأمن.

ويستعيد راخمان مؤتمر ميونخ للأمن الذي اختتم أعماله في 20 فبراير/شباط 2022، قبل 4 أيام فقط من الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا. يومها، أكد مسؤولون أمنيون واستخباراتيون أمريكيون وبريطانيون أن القوات الروسية تستعد للتقدم نحو كييف، لكنّ بعض الأوروبيين والأوكرانيين رفضوا تصديق أن حربا بهذا الحجم يمكن أن تندلع في أوروبا الحديثة.

قصص مقترحة

list of 2 itemsend of list

وقد لخّص هذا التناقض قول يُنسب على نطاق واسع إلى ليون تروتسكي، أحد قادة الثورة البلشفية في روسيا: "قد لا تكون مهتما بالحرب، لكنّ الحرب مهتمة بك".

وبعد أكثر من 4 سنوات على الغزو، أصبحت احتمالات اندلاع حرب عالمية ثالثة موضوعا متكررا في تصريحات القادة، وإن اختلفوا بشأن الطرف الذي يتحمل مسؤولية تفاديها.

فالرئيس الأمريكي دونالد ترمب سبق أن اتهم نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بالمخاطرة بإشعال حرب عالمية ثالثة بسبب استمرار الدعم الغربي لكييف، بينما يرى زيلينسكي أن الخطر الحقيقي يكمن في السماح لروسيا بمواصلة عدوانها.

اجتماع قمة لدول حلف شمال الأطلسي (الناتو) في وارسو في يوليو/تموز 2016 (الجزيرة)

تحول تاريخي في ألمانيا

وفي أوروبا، دفعت الحرب ألمانيا إلى إعلان تحول تاريخي في سياستها الدفاعية وزيادة الإنفاق العسكري، فيما حذر الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو) مارك روته من أن روسيا قد تستهدف دول الحلف لاحقا، داعيا الأوروبيين إلى الاستعداد لحرب واسعة النطاق بحجم الحروب التي شهدتها الأجيال السابقة.

إعلان

ولا تقتصر المخاوف على أوروبا، إذ توسع الصين، بقيادة رئيسها شي جين بينغ، قدراتها العسكرية وتكثف ضغوطها على تايوان، ملوّحة باستخدام القوة لإخضاع الجزيرة لسيطرتها إذا اقتضت الضرورة.

كما أن العلاقات المتوترة بين واشنطن وبكين تعيد إلى الواجهة نظرية "فخ ثوسيديدس"، التي تشير إلى ميل القوة المهيمنة والقوة الصاعدة إلى الاصطدام عندما تتغير موازين النفوذ العالمي. وقد حذر شي نفسه من الوقوع في هذا الفخ خلال مباحثاته مع ترمب في بكين في مايو/أيار 2026.

لكنّ راخمان يميز بين كثرة التحذيرات من الحرب العالمية وبين تحققها فعليا. فالحرب من هذا النوع، في تعريفه، تتطلب مواجهة مباشرة بين أقوى دول العالم، وأن تمتد العمليات العسكرية عبر قارات متعددة. ولم يتحقق هذان الشرطان بعد، إلا أن المخاطر تتزايد مع تشابك النزاعات وتنامي احتمالات التصعيد غير المقصود.

فالحرب الروسية الأوكرانية لم تعد محصورة في طرفيها؛ إذ شاركت قوات كورية شمالية في القتال إلى جانب روسيا، فيما تتداخل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران مع مسار الحرب في أوكرانيا.

وتشير تقديرات واسعة التداول إلى أن روسيا قدمت لإيران مساعدات في استهداف قواعد أمريكية بالشرق الأوسط، وهو ما نفته موسكو، في حين عرضت أوكرانيا خبراتها في مواجهة الطائرات المسيرة على دول الخليج.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الصيني شي جين بينغ خلال مراسم استقبال في بكين في مايو/أيار 2026 (غيتي)

قلق غربي

وتثير هذه التطورات قلق المسؤولين الأمنيين الغربيين من تقارب روسيا والصين وإيران وكوريا الشمالية، وهي دول يجمعها رفض جوانب أساسية من النظام الأمني الذي تقوده الولايات المتحدة. فقد وقعت موسكو وبيونغ يانغ معاهدة دفاع مشترك عام 2024، وأعلنت روسيا والصين شراكة "بلا حدود" في فبراير/شباط 2022 قبيل الغزو الروسي لأوكرانيا، كما ساعد الدعم الاقتصادي والتقني الصيني موسكو على مواجهة العقوبات الغربية ومواصلة الحرب.

ويتزامن ذلك مع ارتفاع حصيلة النزاعات. فالحرب الروسية الأوكرانية تجاوزت في مدتها الحرب التي خاضها الاتحاد السوفياتي ضد ألمانيا النازية، فيما تقدر الحكومة البريطانية خسائر روسيا البشرية، بين قتيل وجريح، بنحو 1.5 مليون شخص منذ بدء الغزو.

وفي غزة، تجاوزت حصيلة شهداء الحرب الإسرائيلية 74 ألف فلسطيني منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وفق بيانات وزارة الصحة في القطاع حتى 17 أكتوبر/تشرين الأول 2026. وفي المقابل، تشير بيانات معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي إلى مقتل نحو ألفي إسرائيلي في مختلف جبهات القتال منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، بمن فيهم قتلى هجوم ذلك اليوم.

كما أحصى برنامج أوبسالا لبيانات النزاعات، التابع لجامعة أوبسالا السويدية، 65 نزاعا مسلحا شاركت دول في أحد أطرافيه أو كليهما خلال عام 2025، وهو أعلى عدد مسجل منذ عام 1946، فيما أسفرت الحرب في السودان عن مجازر وأجبرت نحو 14 مليون شخص على الفرار من منازلهم منذ اندلاع القتال في أبريل/نيسان 2023، بحسب مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

يسهم صعود قادة قوميين يتبنون رؤية للعالم تجعل القوة معيارا لتحديد الحقوق، لا القواعد الدولية، في تقويض النظام الدولي القائم.

اختلال موازين القوة

يربط راخمان اتساع الصراعات بتحول موازين القوة العالمية، الذي أتاح للقوى الساعية إلى تغيير النظام القائم تحدي النفوذ الأمريكي والغربي. ففي عام 1989، كانت دول مجموعة السبع للدول الصناعية الكبرى تمثل نحو ثلثي الناتج الاقتصادي العالمي والإنفاق العسكري الدولي، لكنّ حصتها من الناتج العالمي تراجعت إلى نحو 43% بحلول عام 2022.

إعلان

ويشير الكاتب أيضا إلى أن تنامي النزعة المناهضة للحروب في الولايات المتحدة، بعد التجربتين المكلفتين في العراق وأفغانستان، عزز الاعتقاد بأن واشنطن أقل استعدادا لخوض مواجهات خارجية طويلة. وقد شجع هذا التحول، إلى جانب التراجع النسبي للنفوذ الغربي، روسيا والصين وإيران على تبني سياسات أكثر جرأة.

ويضيف إلى ذلك صعود قادة قوميين يتبنون رؤية للعالم تقوم على أن القوة هي التي تحدد الحقوق، لا القواعد الدولية. ويبرز هذا التوجه في تصريحات ستيفن ميلر، نائب كبير موظفي البيت الأبيض، الذي شدد على أن العالم تحكمه القوة والقدرة على فرض الإرادة.

الرئيس الأمريكي دونالد ترمب مع نظيره الصيني شي جين بينغ خلال زيارة إلى بكين في 15 مايو/أيار 2026 (غيتي)

احترام سيادة الدول وحدودها

كما يرى راخمان أن مطالب ترمب بالسيادة على غرينلاند، وحديثه المتكرر عن تحويل كندا إلى الولاية الأمريكية الحادية والخمسين، يضعان الولايات المتحدة نفسها في موقع يثير تساؤلات بشأن احترام سيادة الدول وحدودها.

وتقوم إحدى الأفكار التي يستند إليها أنصار هذا النهج على تقسيم العالم إلى مناطق نفوذ تهيمن عليها القوى الكبرى، بحيث تقبل الدول الصغرى بسلطة جيرانها الأقوى مقابل تجنب الصدام بينهم.

لكنّ الكاتب يرى أن هذا التصور يتجاهل إرادة الدول الصغيرة وحقها في تقرير مصيرها، فضلا عن أنه لا يضمن السلام حتى بين القوى الكبرى نفسها. فالولايات المتحدة لن تقبل بسهولة استيعاب الصين لتايوان، كما لن يقبل الاتحاد الأوروبي بإعادة دول مثل بولندا ورومانيا إلى دائرة النفوذ الروسي.

الردع والتحالفات أمام اختبار المصداقية

في مواجهة هذه المخاطر، ظل الردع العسكري، منذ تأسيس حلف شمال الأطلسي عام 1949، إحدى الركائز الأساسية للحفاظ على السلام. وتقوم فكرته على إقناع أي دولة تفكر في التوسع بالقوة بأن العدوان سيواجَه برد جماعي حازم. وقد ساعد هذا المبدأ، مدعوما بالخوف من الحرب النووية، على منع مواجهة مباشرة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي طوال الحرب الباردة.

بيد أن راخمان يرى أن تشكيك ترمب المتكرر في التزامات بلاده تجاه حلفائها أضعف وضوح الضمانات الأمنية الأمريكية. ولم يعد السؤال مقتصرا على ما إذا كانت واشنطن قادرة على الدفاع عن حلفائها، بل على ما إذا كانت ستفعل ذلك بالفعل إذا تعرضت دول البلطيق أو بولندا أو اليابان أو بريطانيا لهجوم.

ويستحضر الكاتب دروس الحربين العالميتين الأولى والثانية، حين أسهمت الحسابات الخاطئة بشأن التزامات القوى الكبرى في تفجير الأزمات. ففي عام 1914، اعتقدت ألمانيا أن بريطانيا لن تدخل الحرب دفاعا عن حياد بلجيكا، ثم تبين خطأ هذا التقدير. وفي عام 1939، أخطأ أدولف هتلر حين ظن أن بريطانيا وفرنسا ستتراجعان عن ضماناتهما الأمنية لبولندا.

واليوم، تواجه الصين سؤالا بشأن مدى استعداد الولايات المتحدة للدفاع عن تايوان، فيما يتعين على روسيا أن تحسب حساب المادة الخامسة من معاهدة الناتو، التي عمليا تلزم أعضاء الحلف بدفاع بعضهم عن بعض.

ويخلص راخمان إلى أن الخطر الأكبر قد لا يكون قرارا متعمدا بإشعال حرب عالمية، بل الغموض الذي يحيط بالتزامات القوى الكبرى، واحتمال أن يسيء أحد الأطراف تقدير استعداد خصومه للتحرك. ففي عالم تتشابك فيه الحروب وتتراجع فيه الثقة بالقواعد والتحالفات، قد يصبح سوء الحساب شرارة لصراع يتجاوز قدرة الجميع على احتوائه.

aljazeera.net